تظل مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك من أكثر القضايا حضورًا في القانون الدولي والوجدان العربي والإسلامي، لما تمثله المدينة من قيمة دينية وتاريخية، ولارتباط وضعها القانوني بمجموعة من القواعد والقرارات الدولية التي أكدت أهمية المحافظة على وضعها القائم وحماية الأماكن المقدسة.
وفي هذا السياق، تكتسب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس أهمية خاصة، باعتبارها إطارًا تاريخيًا ودينيًا وسياسيًا ارتبط بالدور الأردني في حماية المقدسات ورعايتها، إلى جانب ما تقوم به المملكة الأردنية الهاشمية من جهود دبلوماسية متواصلة للتأكيد على ضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة.
وتبرز أهمية هذا الدور بصورة خاصة عند حدوث توترات أو إجراءات تمس واقع المسجد الأقصى أو إمكانية وصول المصلين إليه. فالمحافظة على حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة تمثل جانبًا مهمًا من حماية الحقوق والحريات الدينية، وهي من المبادئ التي تحظى باهتمام في منظومة القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ومن المنظور القانوني، لا تنفصل قضية القدس عن قواعد القانون الدولي الإنساني المطبقة في الأراضي المحتلة، ولا عن القرارات الدولية ذات الصلة بوضع المدينة. وقد أكدت قرارات صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو أهمية المحافظة على الوضع القائم في الأماكن المقدسة، ورفض الإجراءات الأحادية التي من شأنها تغيير طابع المدينة أو وضعها القانوني.
كما أن حماية الأماكن الدينية والثقافية تحظى بحماية خاصة في قواعد القانون الدولي الإنساني، ومن بينها أحكام اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، إلى جانب القواعد ذات الصلة الواردة في القانون الدولي الإنساني. وتزداد أهمية هذه الحماية عندما تكون الأماكن الدينية جزءًا من هوية تاريخية وثقافية راسخة.
أما حرية الدين وممارسة الشعائر، فتجد أساسًا واضحًا في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن ذلك المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل حرية إظهار الدين أو المعتقد وممارسة الشعائر، مع خضوع القيود الاستثنائية للضوابط التي يقررها العهد.
ومن هنا، فإن أي نقاش حول الإجراءات المتخذة في محيط المسجد الأقصى ينبغي أن يُقرأ في ضوء هذه القواعد القانونية، مع التمييز بين التدابير الأمنية من جهة، ومدى توافقها مع الالتزامات القانونية الدولية من جهة أخرى. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى طبيعة الإجراء، وإنما إلى أساسه وضرورته وتناسبه وآثاره على الحقوق والحريات.
وفي الحالة الأردنية، يمثل التحرك الدبلوماسي وسيلة أساسية للتعبير عن الموقف القانوني تجاه التطورات المرتبطة بالقدس والمقدسات. وقد حافظ الأردن على حضور هذا الملف في اتصالاته ومواقفه الدولية، مؤكدًا أهمية احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم، وضرورة حماية المقدسات والحفاظ على حرية العبادة.
وتكتسب الوصاية الهاشمية في هذا الإطار بعدًا يتجاوز الرعاية الدينية إلى جانب تاريخي وقانوني ودبلوماسي، ارتبط بالدور الأردني في القدس والمقدسات. كما أن استمرار هذا الدور يمنح الجهد الدبلوماسي الأردني إطارًا متصلًا بحماية المقدسات والحفاظ على هويتها ووضعها القائم.
ولا تقتصر أهمية حماية المسجد الأقصى على البعد الديني وحده، وإنما تمتد إلى حماية التراث الثقافي والهوية التاريخية واحترام قواعد القانون الدولي. ولذلك فإن التعامل مع التطورات في القدس يحتاج إلى مقاربة تجمع بين القانون والدبلوماسية وحماية حقوق الإنسان، بعيدًا عن التوتر الذي قد يحول دون قراءة الوقائع ضمن أطرها القانونية.
وفي المحصلة، فإن حماية الوضع القائم في القدس والمقدسات ليست مسألة ظرفية، بل ترتبط بمبدأ احترام القانون الدولي وحماية الأماكن الدينية والثقافية وحقوق الأفراد في ممارسة شعائرهم. وفي هذا السياق، تستمر الوصاية الهاشمية والجهود الأردنية في أداء دور مهم في إبقاء قضية القدس والمقدسات حاضرة في المجالين الدبلوماسي والقانوني.
وتبقى قوة الموقف القانوني في القدس مرتبطة بوضوح المرجعيات الدولية، واحترام الاتفاقيات والقرارات ذات الصلة، وتغليب لغة القانون والدبلوماسية في معالجة التطورات. فكلما حظيت المقدسات بالحماية، واحترمت حرية العبادة، وتم الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم، كان ذلك إسهامًا في حماية مكانة القانون الدولي ودوره في صون الحقوق والمقدسات.