لم اكن اظن يومًا ان الألم الذي عشته في طفولتي، سيصبح يومًا الحكاية التي ارويها بفخر.
كنتُ طفلة حين فقدت أبي، ذلك الأب الحنون الذي كان يمثل لي الأمان والعالم بأكمله. رحيله ترك في داخلي فراغًا لم اعرف كيف املؤه، فانعزلت عن من حولي، وابتعدت حتى عن الأشياء التي احبها، واخفيت مشاعري خلف صمتٍ طويل. كنت ابدو بخير، بينما كان داخلي يخوض معارك لا يعرف عنها احد.
ومع مرور الوقت، اكتشفت انني استطيع ان اضع ما أشعر به على الورق.
بدأت أكتب...
وفي كل مرة كنت اكتب فيها، كنت أشعر انني استعيد جزءًا من نفسي. لم تعد الكتابة مجرد هواية، بل اصبحت المساحة التي اتنفس فيها، والطريق الذي اخذني من الألم إلى الأمل.
شيئًا فشيئًا، تحوّل القلم الذي كان يكتب عن الوجع إلى قلم يصنع اثرًا.
شاركت في العديد من الكتب والمشاريع الكتابية، سأذكر البعض منها:
«نسمة أمل»
«نسمات عابرة»
«مؤمن أيامي»
«دلال الأب وألم فقدانه»
«افتح لترى ما بداخلي»
«تحت ظل القمر»
«حين خانني ظلي»
«أوتار لا تنكسر»
«الآيار»
«ومدينة بلا خرائط»
«مذكرات الليلة الأخيرة»
«رسائل لم تصل»
«خلف الجدار الأخير»
«أرض لن تنحني»
«بنك الحب»
«وجوه بلا أقنعة»
وغيرهم..
لكن رحلتي لم تتوقف عند الكتابة ادركت ان الأثر الحقيقي لا يكون بما نكتبه فقط، وإنما بما نقدمه للآخرين ايضًا.
انتقلت من كونـي كاتبة تحمل حكايتها على الورق، إلى محاضِرة ومدرّبة اشارك معرفتي وتجربتي مع الآخرين، وخضت تجارب عديدة مع فرق وملتقيات مختلفة.
كنتُ محاضِرة سابقه ضمن ملتقى سماء الثقافي وملتقى العرب، وفي مبادرة أثر التي كنت فيها HR وكوتش سابقة، كما شاركت مع فريق مداد الفكر واطياف القلم، وغيرهم إلى جانب مشاركات وتجارب اخرى ساهمت في تشكيل شخصيتي ومسيرتي ومع كل تجربة، كنت اكتشف جانبًا جديدًا من نفسي.
تعلمت، درّبت، حاضرت، كتبت، وشاركت...
حتى اصبحت اليوم مدرّبة ، احاول ان اجعل من المعرفة وسيلة لمساعدة الآخرين على فهم انفسهم ومشاعرهم بصورة افضل وكان من أجمل المحطات التي اعتز بها في رحلتي أنني حصلت على المركز الثاني على مستوى العقبة في مسابقة للكتابة إنجاز لم يكن بالنسبة لي مجرد ترتيب في مسابقة، بل كان دليلًا على ان السنوات التي قضيتها خلف الأوراق، اكتب وأتعلم وأحاول، لم تذهب سدى.
كما وصلت كتاباتي وتجربتي إلى منصات إعلامية، وكان من محطاتي الظهور في الإذاعة الأردنية، وهي محطة اعتز بها لأنها جعلت صوتي يتجاوز حدود الورق.
واليوم، عندما انظر إلى بدايتي، لا ارى فقط طفلة فقدت والدها وتألمت.
ارى فتاة اختارت ألا تجعل فقدها نهايتها.
فتاة كتبت حتى وجدت صوتها، وتعلمت حتى استطاعت ان تعلّم غيرها، وخاضت التجارب حتى صنعت لنفسها مكانًا، وحوّلت مشاعرها التي اخفتها طويلًا إلى كلمات، ثم إلى محاضرات، ثم إلى أثر.
لم يكن الطريق سهلًا، ولم تكن كل الأيام مليئة بالإنجاز كانت هناك ايام شك، وايام خوف، وايام شعرت فيها أنني لا استطيع الاستمرار.
لكنني استمريت.
لأنني تعلمت ان بعض الجراح لا تُمحى، لكنها قد تتحول إلى شيء جميل حين نمنحها المعنى الصحيح.
وإن كان هناك شيء واحد اريد ان تختصر به حكايتي، فهو لم اختر الألم الذي مررت به، لكنني اخترت ماذا سأصنع منه ومن هنا بدأت قصتي.. حين صنعتُ من الألم أثرًا.