في الصف الأول، حيث يخطو الطفل أولى خطواته في دروب المعرفة، لا تكون المعلمة مجرد ناقلةٍ للحروف والأرقام، بل تكون اليد التي تمسك بيده ليتعلم كيف يخطو، والقلب الذي يمنحه الطمأنينة ليُقبل على التعلم دون خوف. ومن هذا المعنى تستوقفني تجربة الأستاذة ريما الحوراني، معلمة الصف الأول في مدرسة رفيد الإسلامية – لواء بني عبيد/إربد؛ بما تمثله من صورة مشرقة للمعلمة التي تجعل من مهنتها رسالة، ومن حضورها في حياة أطفالها مساحةً للأمان والثقة والنمو. فهي لا تكتفي بأن ترى نتائج الطفل، بل تلتفت إلى رحلته؛ تتابع تقدمه، ترصد احتياجاته، تراعي فروقه الفردية، وتبحث لكل طفل عن المفتاح الذي يفتح له باب المعرفة.
وعطاء ريما لا يقف عند حدود الدرس؛ فهي تدرك أن الطفل في بداياته لا يحتاج إلى من يلقنه فحسب، وإنما إلى من يفهم عالمه الصغير، ويصغي إلى ما وراء كلماته، ويمنحه فرصة المحاولة دون أن يثقل عليه الخوف من الخطأ. وفي ممارستها التربوية، يلتقي العلم بالإنسانية؛ فالتعلم عندها فعلٌ حيّ يقوم على التفاعل والمشاركة والتحفيز، وعلى أن يكون الطفل حاضرًا بعقله وشغفه، لا بجسده فقط. وهذه هي روح التربية الحديثة حين تتحول من تلقين المعرفة إلى بناء شخصية متعلمة، واثقة، قادرة على السؤال والاكتشاف والتجربة.
ولأن معلم الصف الأول يضع البذرة الأولى في أرض الطفل، فإن أثره لا يُقاس بما أنجزه من صفحات، بل بما غرسه في نفسٍ صغيرة من حب للمدرسة، وثقة بالذات، وإيمان بالقدرة. والمعلمة التي تلتقط لحظة تردد طفل، وتحتفي بمحاولته، وتمنحه من الصبر ما يحتاجه حتى يصل، إنما تمارس أرقى صور التربية؛ لأنها لا ترى أمامها طالبًا متعثرًا، بل إنسانًا في طور التشكّل، يستحق أن يُؤخذ بيده لا أن يُحاكم على عثرته.
كل التقدير للأستاذة ريما الحوراني؛ لأن بعض المعلمات يتركن أثرهن في دفاتر الطلبة، أما المعلمات اللواتي يحملن رسالة التعليم حقًا، فيتركن أثرهن في ذاكرة الطفل ووجدانه وشخصيته. وما أجمل أن يكون في مدارسنا من يؤمن بأن التعليم ليس أن نملأ عقول أطفالنا بالمعلومات، بل أن نفتح لهم نوافذ المعرفة، ونمنحهم أجنحة الثقة، ونقول لهم بالفعل قبل القول: لكم مكان، ولكم قدرة، ولكم مستقبل يستحق أن نؤمن به. وهنا يصبح العطاء التربوي أبعد من مهنة… ويصبح أثرًا طيبًا يمتد مع الطفل كلما كبر.