حين يتنفس الأثير بعبق الانتماء وينبض صوت المذياع بهموم الناس وآمالهم ، تختزل الكلمة الصادقة مسيرة أمة وتاريخ وطن . ففي فضاء الإعلام الوطني العريق ، تبرز إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية منبراً حراً يترجم تطلعات القيادة الهاشمية الحكيمة ونبض الشارع الأردني ، لتشكل على مدار تاريخها مدرسة في المهنية والالتزام وملاذاً لكل باحث عن الحق والإنصاف .
البدايات والريادة الإعلامية :
تُعدّ إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية واحدة من أعرق المؤسسات الإذاعية في العالم العربي ، ومنبرًا وطنيّاً عريقاً رافق مسيرة التحديث والبناء في الدولة الأردنية منذ انطلاقتها الأولى في منتصف القرن العشرين ؛ حيث بدأت بثها لأول مرة في 15 أيار 1948م في مدينة رام الله تحت اسم ( إذاعة القدس ) ، ثم تغير اسمها في 1 أيلول 1948م إلى ( الإذاعة الأردنية الهاشمية من القدس ) ، ليصبح اسمها رسمياً ( إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية ) في 24 نيسان 1950م بعد توحيد الضفتين . وتوالت محطات التطور والافتتاح الرسمي حين افتتح الملك الحسين بن طلال محطة ثانية للإذاعة في 1 تشرين الأول 1956م في منطقة جبل الحسين بعمان ، ليتبعها في 1 آذار 1959م افتتاح المبنى الحالي للإذاعة في منطقة أم الحيران ( المقابلين ) .
وحين صدح صوت الإعلامي الكبير صلاح أبوزيد بعبارة ( هنا عمان ، إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية ) إيذاناً بانطلاق البث الرسمي من المبنى الجديد عام 1959م ، انطلقت من قلب هذه المؤسسة الإعلامية والإذاعية العريقة برامج نوعية شكلت وجدان المستمع الأردني والعربي ، وكان في مقدمتها برنامج ( البث المباشر ) الذي انطلق في عام 1974م -مُكملاً بذلك اثنين وخمسين عاماً على انطلاقه- ليقدم فكرته الرائدة سلامة محاسنة ، وليكون أقدم وأعرق برنامج إذاعي خدمي وجماهيري في الأردن ، وليحمل رسالة نبيلة عنوانها الاقتراب من هموم المواطن ، ومدّ جسور الثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع بمختلف شرائحهم ومؤسسات الدولة الرسمية والخدمية . لقد انطلق هذا البرنامج ليكون نافذة مفتوحة على الهواء مباشرة ، تتيح للإنسان الأردني إيصال صوته ومطالبه وشكاويه بكل شفافية ومسؤولية ، محولاً أثير المذياع إلى ساحة تفاعلية حية تنبض بحياة الناس وتلامس تفاصيل يومياتهم في المدن والقرى والبادية والمخيمات .
الفلسفة والأهداف : دور إعلام الخدمة العامة :
ارتكز برنامج البث المباشر على فلسفة إعلامية راسخة تقوم على مبدأ ( الإعلام الخدمي القريب من المواطن ) ، حيث لم يكن مجرد نافذة ترفيهية أو منبراً إخبارياً تقليدياً ، بل تحول إلى مؤسسة رقابية مجتمعية مصغرة تسهم في تقويم الأداء الإداري والخدمي عبر تسليط الضوء على الخلل ومعالجته بروح وطنية مسؤولة . وقد هدف البرنامج منذ أيامه الأولى إلى تحقيق جملة من الغايات السامية ، أبرزها :
سرعة الاستجابة لشكاوى المواطنين المتعلقة بالبنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية والمعيشية .
نقل هموم وقضايا المواطنين مباشرة إلى المسؤولين لإيجاد الحلول المناسبة لها .
تعزيز مبدأ الشفافية والمساءلة والمسؤولية المجتمعية لدى المؤسسات الحكومية والدوائر الخدمية .
إشراك المواطن في صناعة الرأي العام وطرح الحلول للقضايا المحلية الملحة .
تكريس الهوية الوطنية الأردنية الجامعة عبر إبراز صور التكافل والترابط والتصدي للمشكلات بروح الفريق الواحد .
الأسلوب المهني وآلية العمل :
تميز برنامج البث المباشر على مدار عقود طويلة بمنهجية مهنية عالية الصرامة والدقة ، قادها نخبة من ألمع الإعلاميين والمذيعين الأردنيين الذين امتلكوا ثقافة واسعة ، وسرعة بديهة ، وقدرة فائقة على إدارة الحوار المباشر على الهواء دون إعداد مسبق محكم لكل المفاجآت . تعتمد آلية العمل في البرنامج على تلقي ملاحظات وشكاوى المواطنين بشكل مباشر ، والاتصال الفوري مع المسؤول وربطه مع المواطن للاستماع للشكوى وتبرير أو توضيح الإجراءات ، إلى جانب رصد أهم التصريحات والمشاكل العامة وطرحها ومنح المسؤولين من الوزراء والمدراء التعليق المباشر عليها . وقد استضاف البرنامج ويستضيف باستمرار المسؤولين بمختلف مواقعهم في مختلف المناسبات ؛ وذلك للحصول على الاستفسارات حول مختلف القضايا ، والتوضيح ، وتقديم المعلومة والفائدة للمواطن . وقد أسهم هذا النهج التفاعلي الجريء في بناء رصيد هائل من المصداقية الشعبية والرسمية ، وجعل من البرنامج المرجع الأول لكل مواطن يثق بأن صوته سيصل إلى أعلى مستوى في الدولة .
مسيرة التقديم وشهادات رواد الأثير :
وفي مقابلة هاتفية مع الإعلامي المتميز الأستاذ نبيل أبو عبيد عن تجربته في البرنامج ، أوضح أنه قدم البرنامج في ثلاث فترات رئيسية ؛ الأولى عام 1994 - 1995م مع الراحل عيسى محادين والسيدة فخر عبندة ، والفترة الثانية من عام 1999 - 2006م مع عصام العمري ، والفترة الثالثة حين كان مشرفاً على البرنامج وقدمه مع إبراهيم العظامات .
وتعاقب على إعداد وتقديم برنامج ( البث المباشر ) عبر أثير إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية منذ انطلاقه عام 1974م ولغاية اليوم ، نخبة من أبرز رواد الإعلام الإذاعي الأردني . ومن أبرز مقدمي البرنامج عبر العقود الإعلاميين القديرين الذين نسأل الله تعالى لمن ما زالوا على قيد الحياة الصحة والعافية والبركة في العمر ، والرحمة والمغفرة لمن انتقلوا إلى رحمة الله :
سلامة المحاسنة : أول من اقترح الفكرة وقدمها في البدايات مع نخبة من الرواد .
محمود أبو عبيد ونبيلة السلاخ ( والدا الأستاذ نبيل أبو عبيد ) .
نبيل أبو عبيد .
علي غرايبة وجمان مجلي .
جبر حجات .
خلدون الكردي .
محمد الخشمان .
صالح جبر .
شاكر حداد .
ليلى القطب .
مازن المجالي .
الدكتور مصطفى عيروط .
خالد القرعان .
لؤي مسلم .
نصر عناني .
حاتم محسن الكسواني .
موسى عمار .
سمراء عبد المجيد : التي أشارت لي في مقابلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأنها بدأت مسيرتها مع البرنامج في الفترة ما بين عام 1985م وعام 1986م برفقة المرحوم جبر حجات وضياء فخر الدين بدور إداري اقتصر على استقبال المكالمات والملاحظات وعمليات التنسيق خلف الكواليس نظراً لجذورها العراقية وحرصها على عدم ظهور اللهجة العراقية عبر أثير الإذاعة الأردنية ، ثم عادت لتقدم البرنامج في فترة لاحقـة مع جبر حجات وليلى القطب .
ضياء فخر الدين .
صدام راتب المجالي .
إلى جانب نخبة واسعة من الأسماء الإذاعية الأخرى ممن أسهموا في تقديم وإعداد وتغطية فقرات هذه البرامج العريقة عبر دوراتها البرامجية المتعددة على مدار أكثر من خمسة عقود . وإذ نذكر هذه النخبة الطيبة من رواد الأثير وصناع الكلمة المسؤولة ، فإننا نتقدم باعتذار صادق وخالص لكل إعلامي أو معدّ أو فني ممن قد يغفل المقال عن ذكر اسمه أو يسقط سهواً ، فكل واحد منهم ترك بصمة ناصعة في صرح الإذاعة الأردنية وكان لبنة أساسية في بناء هذا الصرح الوطني الشامخ .
شواهد وقصص نجاح في خدمة المجتمع :
حفل سجل برنامج البث المباشر بآلاف القصص والمواقف الإنسانية والخدمية التي غيرت مجرى حياة أفراد وقرى بأكملها . وقد حظي البرنامج عبر مسيرته الطويلة بمتابعة تاريخية واهتمام مباشر من الملك الراحل الحسين بن طلال - طيب الله ثراه - ، الذي كان يواظب على الاستماع للبرنامج وتلمّس قضايا المواطنين المشاركين به ، وكان يتواصل ويدخل عبر مداخلات هاتفية مباشرة للانتصار لقضايا المواطنين وحل مشكلاتهم بنفسه . ولا يزال برنامج البث المباشر محط الاهتمام الملكي السامي من قبل جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم ، حيث تم تكريم إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية بوسام الاستقلال من الدرجة الأولى تقديراً لجهودها الإعلامية ، وهو وسام ملكي لم تحظَ به أي وسيلة إعلامية أخرى ، كما تملأ خزائن البرنامج عشرات الميداليات والدروع الذهبية والفضية والبرونزية الأردنية والعربية نظراً لفوزه المتكرر في المسابقات خلال مؤتمرات الإعلام المختلفة . فكم من قرية عانت من انقطاع المياه أو سوء الطرق فتدخل البرنامج ليضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم وتبدأ أعمال التعبيد والتمديد خلال أيام معدودة ! وكم من حالة مرضية إنسانية حرجة تقطعت به السبل فوجد في أثير البث المباشر الملاذ الآمن لاستحصال الموافقات الطبية والعلاجية الفورية ! إن هذه المواقف لم تكن ترفاً إعلامياً بل كانت تجسيداً حياً لرسالة الإذاعة الأردنية في كونها صوت الشعب وضمير الوطن ، حيث تتلاشى الفوارق وتجتمع الإرادات الرسمية والشعبية لخدمة المصلحة العامة وصون كرامة المواطن الأردني المعطاء . وشهد البرنامج على درب عطائه مواقف تاريخية مشرفة ، من أبرزها تفضل سمو الأمير الحسن بن طلال بزيارة استوديو البرنامج أثناء البث المباشر لتكون محطة مضيئة ودافعاً كبيراً للعاملين فيه ، وهي الزيارة التاريخية التي وثقتها الإعلامية سمراء عبد المجيد وذكرت تفاصيلها خلال حديثها لي عبر مواقع التواصل الاجتماعي .
التطور في عصر الإعلام الرقمي :
مع تسارع التطورات التكنولوجية وثورة الاتصالات والمعلومات الرقمية في القرن الحادي والعشرين الميلادي ، لم يبق برنامج البث المباشر أسير الأستوديوهات التقليدية وموجات الراديو التماثلية فحسب ، بل استطاع بحنكة إدارته وكفاءة طاقمه أن يواكب العصر الرقمي عبر الانتقال إلى منصات البث المرئي والمسموع عبر شبكات التواصل الاجتماعي وموقع الإذاعة الرسمي وتطبيقات الهواتف الذكية . هذا التحول الرقمي أتاح للمغتربين الأردنيين في أصقاع الأرض وللمهتمين بالشأن المحلي متابعة تفاصيل الحلقات والتفاعل معها بالصوت والصورة والتعليق الحي ، مما وسع من قاعدة المستمعين وجعل البرنامج جسراً متواصلاً يربط المغترب بنبض وطنه الأم لحظة بلحظة .
أثير دائم النبض في وجدان الأمة :
يبقى برنامج البث المباشر من إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية علامة فارقة في تاريخ الإعلام الأردني والعربي ، وشاهداً حياً على التزام الإعلام الوطني بقضايا أمته ومواطنيه . فمن بين ثنايا الأثير وعبق الكلمات الصادقة ، استطاع هذا البرنامج أن يكتب قصة نجاح يومية عنوانها الوفاء للوطن والإخلاص لترابه الطهور ، ليظل معلماً خالداً في ذاكرة الأجيال ودرعاً للمواطن ومنبراً للحق والكلمة المسؤول .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) أرشيف مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية : المحطات التاريخية لتأسيس الإذاعة الأردنية وتطورها عبر العقود .
2 ) المقابلة الهاتفية التوثيقية مع الإعلامي القدير الأستاذ نبيل أبو عبيد : شهادات حية حول محطات تقديم برنامج ( البث المباشر ) وأبرز مراحله .
3 ) المقابلة والشهادات التوثيقية مع الإعلامية القديرة الأستاذة سمراء عبد المجيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي : إضاءات وشهادات حية حول مسيرة العمل الإداري واستقبال الملاحظات في البرنامج خلال الفترة ( 1985 - 1986م ) برفقة المرحوم جبر حجات وضياء فخر الدين ، وعودتها لاحقاً لتقديم البرنامج مع المرحومين جبر حجات وليلى القطب ، فضلاً عن تفاصيل زيارة سمو الأمير الحسن بن طلال التاريخية لاستوديو البث المباشر .
4 ) أرشيف الصحف اليومية الأردنية : رصد مسيرة البرامج الجماهيرية وتطور إعلام الخدمة العامة في الأردن .
5 ) السجلات الرسمية والتاريخية لإذاعة المملكة الأردنية الهاشمية : توثيق الأسماء الإعلامية والرواد الذين تعاقبوا على إعداد وتقديم برنامج البث المباشر .
6 ) صفحة دائرة المكتبة الوطنية على الفيسبوك : الوثائق والمواد الأرشيفية المرتبطة بتاريخ الإعلام الأردني والذاكرة الوطنية .