مع إطلاق "فرح" الناطق الرقمي الحكومي، وهي شخصية افتراضية طُوّرت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيمكن القول ان وزارة الاتصال الحكومي قد ابدعت، بقيادة معالي الدكتور محمد المومني، في التقاط واحدة من أهم تحديات العمل الحكومي اليوم؛ ليست المشكلة دائمًا في القرار،لان اغلب القرارات الحكومية هي قرارات ممتازة ويتم اتخاذها بعد اجرائات ومناقشات عديدة ومطولة، فالمشكلة تكمن في كيفية شرحه وإيصاله للمواطن. فالتحول في الاتصال الحكومي لا يعني فقط الانتقال من البيانات التقليدية إلى المنصات الرقمية، بل الانتقال من مجرد إيصال المعلومة إلى صناعة فهم حقيقي لها. وإذا استطاعت "فرح" أن تبسّط القرارات والسياسات الحكومية، وأن تقدم المعلومة بسرعة وبلغة يفهمها المواطن، خصوصًا الشباب، فنحن أمام نقلة حقيقية في شكل التواصل بين الحكومة والمواطن، وسيقلل فجوة الثقة بين المواطن والحكومة وسيساعد على تخفيف غضب الناس الداخلي وليس مجرد استخدام جديد للذكاء الاصطناعي.
فكم من المشاريع الحكومية الجيدة والممتازة تعرضت للنقد، أو لم تحظَ بالتأييد الشعبي الكافي، لأن الحكومة لم تنجح في إيصال رسالتها إلى الناس؟ فرؤية التحديث الاقتصادي على سبيل المثال، بطبيعتها هي الأكثر التصاقًا بحياة المواطن اليومية، لأنها تتعلق بالوظائف، والاستثمار، والدخل، والنمو، والقطاعات الاقتصادية، وفرص الشباب، ومستقبل الأسر الأردنية. ولذلك فإن إيصال رسالتها إلى المواطن ليس ترفًا إعلاميًا بل جزء من نجاح المشروع نفسه. والواقع أن القائمين على رؤية التحديث الاقتصادي بذلوا جهدًا واضحًا وكبيرا في هذا المجال، من خلال إعداد "دليل المواطن"، وإنشاء المنصات والصفحات الرقمية، واستخدام الإنفوغرافيكس وغيرها من أدوات الاتصال الحديثة.
لكن يبقى السؤال الحقيقي : هل وصلت الرسالة فعلًا إلى المواطن الذي يفترض أن تكون الرؤية من أجله؟ إلى صاحب الدكانة، وسائق التكسي، والموظف البسيط، وعامل الوطن، ورب الأسرة الذي يريد أن يعرف ببساطة: ماذا ستغير هذه الرؤية في حياته؟ أين فرص العمل؟ كيف ستتحسن الخدمات؟ وماذا سيستفيد منها هو وأبناؤه؟ هنا تحديدًا تظهر أهمية الاتصال الحكومي الحديث. فنجاح السياسات العامة لا يقاس فقط بجودة تصميمها داخل المؤسسات الحكومية، وإنما أيضًا بقدرة الدولة على شرحها، وتبسيطها، وإقناع الناس بها، وإشراكهم فيها.
ومن هذه الزاوية، تبدو خطوة وزارة الاتصال الحكومي بإطلاق "فرح" جديرة بالاهتمام، لأنها تتعامل مع الاتصال باعتباره جزءًا من صناعة السياسة العامة، وليس مجرد وظيفة إعلامية تأتي بعد اتخاذ القرار. فالذكاء الاصطناعي لن يحل أزمة الثقة بين المواطن والدولة بمفرده، لكنه قد يساعد في معالجة أحد أسبابها: أن المواطن في كثير من الأحيان لا يعرف ماذا تفعل الحكومة، ولماذا تفعله، وماذا سيعود عليه منه، وهذا ما يؤدي إلى تقزيم وتقليل الجهود الكبيرة المبذولة والمبنية على ارقام ودراسات واجتماعات التي تقوم بها الحكومة وفي النهاية، لا تحتاج الحكومة إلى أن تتحدث مع المواطن أكثر فحسب، بل تحتاج إلى أن يتحدث المواطن مع الحكومة ويفهمها، وأن يشعر بأنه جزء من السياسات التي تُصنع باسمه ولاجله.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لـ"فرح" :هل ستكون مجرد شخصية رقمية تتحدث باسم الحكومة، أم ستكون أداة تجعل الحكومة أقرب إلى المواطن، وأكثر قدرة على شرح نفسها له؟ إذا نجحت "فرح" في الإجابة عن هذا السؤال، فقد تكون هذه الشخصية الافتراضية خطوة صغيرة في شكلها، لكنها كبيرة في أثرها على مستقبل الاتصال بين الدولة والمواطن.