ليست كل الكلمات تمر عابرة، فهناك كلمات تحمل في طياتها ثقة، ورسالة، ومسؤولية، وتبقى حاضرة في الذاكرة. وحين تكون الكلمات من جلالة الملك، فانها تصبح أكثر من توجيه، وتتحول إلى عهد ومسؤولية ووصية مقدرة .
"أن تضع الوطن نصب عينيك"...
كلمات جلالته الابوية لقائد الجيش مجدي الحراسيس، ابن الوطن وابن الطفيلة الهاشمية، تختصر فلسفة كاملة في معنى الانتماء، وتضع الوطن في مقدمة كل خطوة، وفوق كل اعتبار، فهي توصية بكل معاني الابوة والحب، ورسالة واضحة تقول أن الوطن هو البوصلة حين تتعدد الطرق، وهو الثابت حين تتغير الظروف، وهو الملاذ حين تضيق الخيارات. فالوطن ليس حدودا مرسومة على خارطة، ولا مجرد مكان نعيش فيه، بل هو الشرايين والوريد، وهو الأسرة والذكريات والكرامة والحياة.
فقد يواجه الإنسان في مسيرته لحظات من الضبابية، وتتشتت أمامه الدروب، وتكثر الاسئلة وتختلف الاتجاهات، لكن البوصلة التي لا تخطئ هي الوطن. والعودة الى الوطن تعني العودة الى الاصل، الى الثبات، الى قيم الفارس الاردني الذي تربى على أن الأردن ليس خيارا عابرا، بل هو الملاذ الأول والأخير، وأن حب الأوطان عقيدة راسخة في الوجدان.
"أن تضع الوطن نصب عينيك" ليست مجرد عبارة قالها الملك، بل هي ثقة ملكية كبيرة برسالة رجل نشأ من رحم هذه الأرض، وعرف معنى التعب والانتماء قبل أن يعرف معنى المناصب.فانت ابن الأسرة البسيطة، أسرة المحراث والفوتيك والمنجل، ابن الارض التي علمت ابناءها ان الكرامة تصنع بالعمل، وأن الرجال لا تقاس بما يملكون، بل بما يقدمون لوطنهم ، فأنت طالب المدرسة الذي كان يقف في الصباح الباكر لتحية العلم والسلام الملكي، ولا يحمل في جيبه مصروفه اليومي، لكنه كان يحمل في قلبه شيئا اكبر من كل ذلك... كان يحمل صورة الاردن، وأنت الطالب الذي يعود إلى بيته، ليجد أمه قد نسجت له من الغزل علم الأردن، في مشهد تختصر فيه الامهات الأردنيات معنى الوطن: أم تعلم ابنها الانتماء بالفعل قبل القول، وتغرس في قلبه ان العلم ليس قطعة قماش، بل قصة أرض وقيادة وأهل وذاكرة وهوية.
من هنا نفهم عمق الكلمات الملكية.
فجلالة الملك حين يقول لقائد الجيش "أن تضع الوطن نصب عينيك"، فانه يخاطب في داخله ذلك الطفل الذي كبر وهو يرى العلم الأردني رمزا للكرامة، ويستحضر في وجدانه صورة الأم التي نسجت العلم من الغزل، وصورة الاب الذي علمه ان الارض لا تصان بالكلام، وأن الوطن يحتاج إلى رجال يضعونه فوق كل اعتبار.
مجدي الحراسيس... ابن الطفيلة الهاشمية، المحافظة التي انجبت الرجال، وربطت اسمها دوما بالوفاء والانتماء والكرامة. من بين جبالها خرجت حكايات كثيرة عن الاردني الذي يعرف قيمة الأرض، ويؤمن أن خدمة الوطن شرف لا يوازيه شرف.
ولهذا فإن العبارة الملكية تحمل معنى أوسع من التكليف، فهي ثقة بمن يعرف معنى الوطن، وبمن لم ينس من أين بدأ، ولم تغيره المسيرة عن جذوره، ولم تحجب عنه المسؤولية صورة الأردن التي كبرت معه منذ طفولته.
هكذا يكتب الأردنيون حكايتهم...
من بيت بسيط، ومن مدرسة متواضعة، ومن ام تنسج علم الوطن، إلى موقع المسؤولية وخدمة الدولة والقيادة .
"أن تضع الوطن نصب عينيك"...
كلمات ملك، وثقة قائد، ووصية أب، ورسالة تختصر حكاية رجل وحكاية وطن.