تتحرك هذه الأيام العجلة الثقافية والإعلامية في بشكل لافت واتجاه يرفع لواء "السردية الوطنية" والبحث عن الجذور والتراث وتُطلق في هذا السياق مبادرات ومشاريع جديدة تسعى لإعادة قراءة التاريخ وبناء قوالب ثقافية معاصرة تتوافق مع ذلك . لكن هذه الحركة المتسارعة تضعنا وجهاً لوجه أمام مفارقة موضوعية لا يمكن التغاضي عنها فالقائمون على هندسة هذه السردية الجديدة والباحثون عنها اليوم هم أنفسهم من كانوا بالأمس القريب يجلسون على مقاعد القرار ويمتلكون زمام التوجيه الإعلامي والإنتاجي في العقود الماضية عندما كانت الدراما والمسلسلات والكتابات والمبادرات تُشكل الوعي الجمعي غابت الرواية الأردنية الحقيقية عن أولويات تلك الكراسي وبدلاً من استثمار أدوات الدولة الإعلامية والفنية لترسيخ التراث الأردني الأصيل اتجهت البوصلة نحو تجسيد ثقافات وتواريخ خارج السياق المحلي أو تبني قوالب لا تشبه المجتمع في شيء والأنكى من ذلك أن الموروث المحلي عندما كان يُستدعى في الأعمال التي أُشرف عليها آنذاك كان يُقدم ضمن إطار مشوه لقد حُصرت "البداوة" الأردنية—بكل ما تحمله من قيم الأنفة والشهامة والقضاء العشائري الصارم ومنظومة الحقوق والواجبات—في صور نمطية مكررة تختزلها في السطو والسلب وقصص العشق العابرة عند غدير الماء وغابت العادات الحقة وغُيب العمق القيمي للصحراء والقرية الأردنية كحفظ الجميل وحماية الدخيل والعفو عند المقدرة حتى بالقصاص ممن قال الاب والابن لمجرد أنه دخيل كما إن الأمر وصل إلى تشويه اللهجة الأردنية وتنميطها ولم يُبذل أي جهد حقيقي لتوجيه الإعلام نحو عمق التراث وتوثيق رواياته الصحيحة لم نجد من أصحاب الدولة والمعالي بالامس التوجيه لإنتاج افلام ومسلسلات عن القبائل الأردنية والجيش الذي دافع عن القدس وان الشهيد كايد مفلح العبيدات كان أول شهيد أردني ذهب بدافع الدين والنخوة واليوم يطل علينا المشهد بنسخة معدلة حيث يأتي ذات الشخوص بذات الأدوات مستدركين غياب "السردية"ومحاولين قيادة مشروع جديد يبحث في طياته عن قالب مغاير، وصورة جديدة وربما عن تاريخ معاد صياغته يمنحهم مشروعية البقاء في الواجهة الثقافية إن النقد هنا ليس من باب رفض المراجعة أو التصحيح فإعادة الاعتبار للتاريخ والتراث الأردني الذي كان لهم دور كثير من طمس معالمه يمكن لأي عاقل أن يعود لتصريحات هذه النخب بالامس ابان السلطه ومقارنتها بكلامهم الآن وبالرغم ان توثيق التاريخ هو غاية ومطلب لكل غيور لكن الإشكالية تكمن في "فجوة المصداقية" كيف يمكن لمن ساهم في تغييب الرواية الصحيحة بالأمس أن يكون هو المؤتمن على صياغتها اليوم؟؟؟؟ !!!!
وكيف يستقيم بناء قالب ثقافي جديد دون مكاشفة حقيقية مع الإرث الإنتاجي والإعلامي السابق الذي ساهم في تسطيح الهوية بدلاً من تعميقها؟؟؟؟!!!
إن السردية الأردنية الحقيقية لا تحتاج إلى قوالب جاهزة تُصنع في الغرف المغلقة لإعادة تدوير الوجوه بل تحتاج إلى عودة صادقة للمنابع: إلى التاريخ المدون في ذاكرة الأجداد وإلى اللهجة الحية في القرى والبوادي والمدن وإلى الإنصاف المعرفي الذي يعيد للبداوة والأصالة الأردنية وجهها الحضاري الناصع بعيداً عن حسابات التموضع الثقافي الجديد أن السردية تحتاج إلى إعادة العشائرية ذات القيم والمبادئ والزعامات العشائرية ذات الهم الوطني والتعليم المجتمعي الدور الرقابي على منظومة الأخلاق والعادات والتقاليد وتدريسها بالمجالس وانهاء زمن القيادات الحالية الورقية التافهة التي صنعتها صفحات التواصل واللايكات وهي طبول جوفاء!!!!! السردية الأردنية باقية في قلوب الشرفاء كتبها كايد وهزاع وفراس وموفق و وصفي وحابس بدمائهم على جدران القلوب