ليست ذيبان مجرد بقعة جغرافية على خارطة الوطن، وليست اسمًا عابرًا في سجلات المدن والقرى الأردنية؛ إنها حكاية طويلة كتبت فصولها الأرض والإنسان، وحفظتها الذاكرة الشعبية جيلًا بعد جيل، هي المكان الذي تتجاور فيه هيبة التاريخ مع بساطة الحياة، وتلتقي فيه أصالة الماضي بطموح الحاضر، وتبقى فيه قيمة الإنسان أكبر من كل المسميات.
حين نتحدث عن لواء ذيبان فإننا لا نتحدث عن منطقة فحسب، بل عن إرث اجتماعي وثقافي وتاريخي عميق، وعن مجتمع عرف معنى التكاتف، والكرم، والشهامة، والوفاء، وحفظ العهد. وفي كل زاوية من زوايا ذيبان حكاية، وفي كل بيت ذاكرة، وفي كل عائلة رجال تركوا أثرًا لا يزال حاضرًا في وجدان أبنائها.
ذيبان التي تقع في محافظة مادبا، تحمل في اسمها وملامحها شيئًا من عراقة المكان الأردني؛ أرضٌ عرفت الإنسان منذ أزمنة بعيدة، وتعاقبت عليها الحضارات، وظلت شاهدة على قدرة الرجل الحميدي على صناعة الحياة مهما كانت الظروف.
ذيبان، بدأ تاريخها من أرضها حيث لذيبان مكانة تاريخية مميزة في الأردن، فهي من المناطق التي تختزن آثارًا وحكايات تمتد إلى عصور قديمة. وعندما يقف الزائر على أرضها، يشعر أن المكان ليس صامتًا؛ فالحجارة القديمة، والمرتفعات، والسهول، والطرق التي عبرها الناس على مر السنين، جميعها تبدو وكأنها صفحات مفتوحة من كتاب التاريخ.
لكن أجمل ما في ذيبان أن تاريخها لم يبقَ حبيس الآثار والنقوش والحجارة، بل انتقل إلى الإنسان نفسه، فالأماكن قد تحتفظ بآثار الحضارات، لكن الرجال هم الذين يحفظون روح المكان.
ولهذا، فإن الحديث عن ذيبان لا يكتمل إذا تحدثنا عن تاريخها ولم نتحدث عن رجالاتها؛ أولئك الذين حملوا اسمها، ودافعوا عن قيمها، وخدموا مجتمعهم، وكانوا جزءًا من مسيرة الأردن في مختلف مراحلها.
رجالات ذيبان… ذاكرة لا تشيخ
لكل منطقة رجالها الذين يصبحون مع مرور الزمن جزءًا من ذاكرتها، ورجالات ذيبان ليسوا مجرد أسماء تُذكر في المناسبات، بل هم نماذج من أجيال آمنت بأن قيمة الرجل بما يقدمه لأهله ومجتمعه ووطنه.
منهم من حمل مسؤولية العائلة، ومنهم من خدم في مؤسسات الدولة، ومنهم من عمل في التعليم، ومنهم من كان حاضرًا في العمل الاجتماعي والعشائري، ومنهم من ترك أثرًا في التجارة والزراعة، ومنهم من اختار طريق العلم والمعرفة، ومنهم من حمل السلاح دفاعًا عن الوطن، ومنهم من كان صاحب كلمة إصلاح تجمع ولا تفرّق.
ولأن المجتمع الأردني، ولا سيما المجتمعات الريفية والعشائرية، عرف قيمة الجاهة والإصلاح والصلح وحفظ الجيرة، فقد كان لبعض رجال ذيبان حضور بارز في إصلاح ذات البين، وفض النزاعات، وحماية النسيج الاجتماعي، وكانت الكلمة في المجالس لها وزنها، وكان الرجل يُعرف بمواقفه قبل أن يُعرف بما يملك.
الرجل في ذيبان، موقف قبل أن يكون اسمًا
من أجمل ما يمكن أن يقال عن رجالات ذيبان أن كثيرًا من سيرهم لم تُكتب في الكتب، وإنما كتبتها المواقف، فقد يكون هناك رجل لم يحمل منصبًا رسميًا، لكنه كان صاحب مكانة في مجتمعه، وقد يكون هناك آخر لم يُعرف على نطاق واسع خارج منطقته، لكنه كان بالنسبة لأبناء بلدته أبًا وناصحًا وصاحب موقف.
وهناك رجال رحلوا عن الدنيا، لكن أسماءهم لا تزال تُذكر في المجالس، لأنهم تركوا خلفهم سيرة طيبة، وهذا النوع من الرجال لا يحتاج إلى تماثيل كي يُخلّد؛ تكفيه ذاكرة الناس.
ففي المجتمعات التي تعرف قيمة الوفاء، لا يموت الإنسان حين يغادر الدنيا، بل يبقى حاضرًا في الحكايات التي يرويها الأب لأبنائه، والجد لأحفاده.