في العقبة، حيث البحر شاهدٌ على قصص كثيرة، سطّر نشامى الدفاع المدني قصة استثنائية عنوانها الإنسان أولاً، والوقت مسؤولية، والوعد التزام. قصة لم تكن مجرد حادث إنقاذ، بل ملحمة ميدانية وإنسانية تجسّد سرعة الاستجابة، ودقة الأداء، والشجاعة التي يتحلى بها رجال الدفاع المدني في أصعب الظروف.
عند الساعة السادسة مساءً، ورد البلاغ إلى فرق مديرية الأمن العام / مديرية الدفاع المدني حول تعرض مقيم مصري لحادث مؤلم إثر اصطدامه بمروحة قارب سريع، ما أدى إلى بتر ساقه وسقوطها في أعماق البحر.
في تلك اللحظة، لم يكن أمام النشامى ترف الانتظار، فكل ثانية كانت تحمل قيمة، وكل دقيقة قد تكون فاصلة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. تحركت الفرق بسرعة، ووصلت إلى الموقع، وبدأت التعامل مع المصاب وفق أعلى درجات الجاهزية المهنية.
وسط الألم والخوف، طلب المصاب من الغطاس الملازم الثاني خالد فايز الغبابشة أن يعيد له ساقه التي سقطت في البحر، فجاءه الرد الذي أصبح عنواناً لهذه القصة:
«أعدك بأن أعيدها لك».
لم يكن الوعد مجرد كلمات لرفع معنويات مصاب، بل كان وعداً يحمل خلفه مسؤولية رجل، وانتماء مؤسسة، وإيماناً بأن واجب الإنقاذ لا يعرف المستحيل.
نزل فريق الغوص إلى عمق يقارب 16 متراً تحت سطح البحر، وسط ظروف ميدانية صعبة، وبدأ البحث عن الطرف المبتور. كان السباق مع الزمن في أقسى صوره، إلا أن التصميم والإصرار قادا النشامى إلى العثور على الساق وانتشالها خلال نحو 15 دقيقة، والتعامل معها بالشكل المطلوب تمهيداً لنقلها مع المصاب بصورة عاجلة إلى المستشفى.
وهناك استكملت الكوادر الطبية المهمة، في مشهد تكاملت فيه جهود رجال الدفاع المدني مع الكفاءة الطبية، لإجراء التدخل الجراحي اللازم ومحاولة إعادة زراعة الطرف المبتور وربط الأوعية الدموية، بما منح المصاب فرصة جديدة للأمل.
إن قيمة هذه الحادثة لا تكمن في تفاصيلها الطبية والميدانية فقط، وإنما في الرسالة الإنسانية التي حملتها: عندما يستغيث الإنسان، تتحرك المؤسسة، وعندما يصبح الوقت حاسماً، يتقدم الرجال إلى الميدان.
لقد أثبت نشامى الدفاع المدني في العقبة أن سرعة الاستجابة ليست إجراءً روتينياً، بل ثقافة عمل راسخة، وأن الشجاعة ليست كلمات تقال، وإنما فعل يظهر عندما تكون الظروف في أصعب حالاتها.
كل التحية والتقدير إلى مديرية الأمن العام ومديرية الدفاع المدني، وإلى رجال الغوص والإنقاذ والإسعاف، وإلى الملازم الثاني خالد فايز الغبابشة، الذي قال «أعدك» ثم ذهب إلى أعماق البحر ليفي بوعده، وإلى الكوادر الطبية التي واصلت المهمة حتى النهاية.
هؤلاء هم نشامى الأردن؛ يتسابقون مع الزمن، ويواجهون الخطر، ويجعلون من الواجب رسالة، ومن الشجاعة إنجازاً، ومن أصعب اللحظات باباً جديداً للأمل.
وعدٌ فصدق…
وفي العقبة، كان للإنسان موعدٌ مع رجالٍ لا يتأخرون عن الواجب.