آن الأوان لمنصة وطنية تضع أداء المسؤولين تحت نظر المواطن
من عمّان... رسالة مواطن يريد دولة تُقاس فيها النتائج، لا العناوين
مع دخول الحكومة مرحلة جديدة، ومع التغييرات الإدارية التي تشهدها الدولة، وفي مقدمتها انتقال قيادة أمانة عمّان، فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكون مجرد تغيير أسماء ومواقع، بل فرصة حقيقية لإعادة بناء منظومة الإدارة العامة على أساس الكفاءة والشفافية والمساءلة.
ومن هنا، تأتي هذه الوصايا؛ لا باعتبارها اتهامًا لأحد، ولا حكمًا مسبقًا على أداء أي مسؤول، وإنما كمقترحات إصلاحية تستحق النقاش:
أولًا: إنشاء "منصة وطنية لمتابعة أداء المؤسسات والمسؤولين".
منصة إلكترونية رسمية ومستقلة إداريًا، تكون مهمتها استقبال ملاحظات المواطنين وشكاواهم ومقترحاتهم، ومتابعة مسارها حتى إغلاقها، مع حماية بيانات المبلّغين وفق القانون.
والأهم أن تكون المنصة تابعة لجهة محايدة ومستقلة عن الجهة التي يجري تقييمها، حتى لا يكون المسؤول هو من يقيّم نفسه.
ثانيًا: تقييم أداء الوزراء وأمين عمّان ومديري المؤسسات وفق مؤشرات واضحة.
ليس المطلوب تقييم الأشخاص، وإنما تقييم الأداء والنتائج.
ومن الممكن أن تشمل المؤشرات:
سرعة إنجاز معاملات المواطنين.
نسبة الشكاوى التي تمت معالجتها.
جودة الخدمات المقدمة.
مستوى الالتزام بالمواعيد.
معالجة الملاحظات المتكررة.
رضا المواطنين عن الخدمة.
كفاءة الإنفاق.
مستوى الإنجاز مقارنة بالخطط المعلنة.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي:
ماذا أنجز المسؤول؟
وليس:
من يعرف المسؤول؟
ثالثًا: إصدار تقرير دوري معلن للرأي العام.
تقرير ربع سنوي أو نصف سنوي يوضح، بلغة بسيطة، ما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه، وأين توجد نقاط القوة وأين تحتاج المؤسسات إلى تحسين.
رابعًا: تحويل صوت المواطن إلى مؤشر أداء.
المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة؛ بل هو الطرف الذي يجب أن يكون رأيه أحد مصادر قياس جودة الخدمة العامة.
ولكن مع ضوابط تمنع التشهير أو الحسابات الشخصية، بحيث يكون التقييم مبنيًا على بيانات وشكاوى موثقة ومؤشرات قابلة للتحقق.
خامسًا: حماية الموظف النزيه كما نحاسب الموظف المقصر.
فالإصلاح الإداري لا يعني البحث عن الأخطاء فقط، وإنما يعني أيضًا اكتشاف الموظف المتميز وتكريمه وتحفيزه.
الموظف الذي يخدم المواطن بإخلاص يجب أن يشعر أن الدولة تراه وتقدّر جهده.
سادسًا: مكافحة الواسطة والمحسوبية تبدأ من النظام وليس من الشعارات.
إذا كانت الخدمة واضحة، والإجراء إلكترونيًا، والطلب قابلًا للتتبع، والقرار قابلًا للمراجعة، تقل مساحة التدخل الشخصي وتزداد مساحة العدالة.
سابعًا: لا حصانة إدارية أمام القانون.
أي مخالفة مثبتة يجب أن تخضع للإجراءات القانونية والأصول الرسمية، بعيدًا عن الانتقائية أو تصفية الحسابات أو التشهير.
ثامنًا: الوزراء وأمين عمّان ومديرو المؤسسات يجب أن يكونوا جزءًا من منظومة تقييم حقيقية.
فالمنصب العام ليس امتيازًا دائمًا؛ إنه تكليف ومسؤولية مؤقتة أمام الدولة والمواطن.
والرسالة إلى حكومة الدكتور جعفر حسان:
لا نريد حكومة تُقاس فقط بعدد القرارات التي تصدرها، بل بحجم الأثر الذي تتركه هذه القرارات في حياة المواطن.
ولا نريد مسؤولًا يخشى النقد، بل مسؤولًا يمتلك الشجاعة لسماع النقد والاستفادة منه.
ولا نريد موظفًا يخشى مديره، بل موظفًا يعرف أن القانون يحميه عندما يؤدي واجبه، وأن القانون يحاسبه عندما يثبت تقصيره.
وإلى أمين عمّان الجديد:
عمّان ليست شوارع ومباني فقط...
عمّان مواطن ينتظر معاملة، وموظف ينتظر قرارًا، وأسرة تنتظر خدمة، وشاب يبحث عن فرصة، وحيّ ينتظر تحسينًا، ومال عام يجب أن يصان.
ولهذا فإن نجاح أي قيادة جديدة يجب ألا يُقاس بالتصريحات، وإنما بما يراه المواطن في الشارع وفي المؤسسة وفي تفاصيل حياته اليومية.
ولعل أعظم مشروع إداري يمكن أن يبدأ اليوم هو أن يعرف كل مسؤول أن أداءه قابل للقياس، وأن يعرف كل مواطن أن صوته مسموع، وأن يعرف كل موظف نزيه أن الدولة تقف إلى جانبه.
هذه ليست دعوة ضد مسؤول...
بل دعوة إلى نظام أقوى من الأشخاص.
وليست دعوة للتشهير...
بل دعوة للشفافية.
وليست دعوة للمحاسبة العشوائية...
بل دعوة للمحاسبة العادلة وفق القانون.
وفي النهاية:
الدولة القوية ليست الدولة التي لا تُنتقد؛
الدولة القوية هي التي تسمع النقد، وتتحقق منه، وتصحح الخطأ، وتكافئ الإنجاز.