المناصب لا تصنع الرجال، والكراسي لا تمنح أصحابها قيمتهم الحقيقية، وإنما المواقف هي التي تكشف معادن الرجال وتثبت معنى المسؤولية. والمسؤول الحقيقي ليس من تحيط به الحواجز، ولا من يقف الناس على مسافة منه، وإنما من يملك القدرة على الوصول إلى الإنسان، والاستماع إلى صوته، والشعور بحاجته، والنظر إليه باعتباره مواطناً له كرامته وحقه في أن يُسمع.
مشهد قصير اختصر معاني كبيرة، مواطن بسيط يقف بعيداً عن الصفوف حاملاً ورقة بيده، ويحمل معها مطلباً وأملاً ورغبة في إيصال صوته إلى المسؤول. لم يكن يبحث عن صورة، ولم يطلب امتيازاً، ولم يسعَ إلى تصدر المشهد، كل ما أراده أن تصل ورقته وأن يجد من يسمع حكايته. لكن المسافة لم تكن عائقاً أمام المسؤول الذي يعرف معنى المسؤولية، فقد رآه معالي رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف العيسوي «أبو حسن»، فناداه واستمع إليه وأخذ ورقته، لتتحول تلك اللحظة إلى صورة تختصر الكثير من معاني الإنسانية والتواضع وقرب المسؤول من أبناء الوطن.
الورقة لم تكن مجرد ورقة، والرجل لم يكن مجرد مواطن يقف في آخر الصف، بل كان المشهد رسالة واضحة بأن المواطن مهما كان موقعه ومهما ابتعد عن الصفوف الأولى، يبقى إنساناً له حق أن يُسمع وأن يجد من يصغي إليه. وهنا تظهر معادن الرجال، فليس عظيماً من يجلس في صدر المكان، وإنما العظيم من يرى من يقف في آخره، وليس قوياً من تحيط به الحواجز، وإنما القوي من يستطيع أن يكسر الحاجز بينه وبين المواطن.
معالي أبو حسن جسّد في ذلك الموقف معنى المسؤول الذي لا ينتظر المواطن حتى يصل إليه، بل يصل هو إلى المواطن، وهنا يكمن الفارق بين من يحمل المنصب ومن يحمل معنى المنصب. فالكرسي قد يمنح صاحبه سلطة، لكن الأخلاق تمنحه احترام الناس، والمنصب قد يضع صاحبه في الصف الأول، لكن التواضع يجعله يرى الصفوف كلها.
قد تُنسى تفاصيل المناسبة، وقد تنتهي الكلمات وتُطوى الصور، لكن المواقف الإنسانية الصادقة تبقى في ذاكرة الناس، لأن المواطن يتذكر من التفت إليه عندما كان بعيداً، ومن منحه من وقته واهتمامه ما يشعره بأن صوته مسموع وقضيته تستحق الاهتمام.
وهنا تبرز قيمة الثقة الملكية التي وضعها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بمعالي يوسف العيسوي «أبو حسن»، واختاره رئيساً للديوان الملكي الهاشمي، بيت الأردنيين وبيت الهاشميين، ليكون قريباً من قضايا الناس وحاملاً لأمانة التواصل معهم. وما نشاهده من مواقف تعكس نهجاً أصيلاً في مدرسة القيادة الهاشمية التي جعلت الإنسان الأردني محور الاهتمام.
كل الاعتزاز بجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، قائد الوطن، وكل الفخر بسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي يواصل مسيرة الهاشميين بروح الشباب وعزيمة الرجال، وكل التقدير لمعالي أبو حسن الذي أثبت أن الثقة الملكية حين توضع في أهلها تتحول إلى مواقف يلمسها المواطنون.
حفظ الله جلالة الملك وسمو ولي عهده، وأدام الأردن آمناً مستقراً، وأدام القيادة الهاشمية سنداً للوطن والأردنيين، وحفظ الله هذا الحمى العربي الهاشمي، الذي يبقى فيه الإنسان أولاً، والمسؤولية أمانة، والوفاء نهجاً لا يتغير.