أظهرت دراسة علمية حديثة أن التعرض للعنف أو الإساءة خلال مراحل الطفولة قد يؤدي إلى تغيّرات طويلة الأمد في طريقة عمل الدماغ، إذ يصبح أكثر استعدادًا لرصد إشارات الخطر والتهديد حتى قبل أن يعي الإنسان وجودها بشكل مباشر.
وبحسب الباحثين، فإن التجارب القاسية في السنوات الأولى من العمر يمكن أن تؤثر في كيفية معالجة الدماغ للمعلومات العاطفية، ما يدفعه إلى البقاء في حالة تأهب مستمرة تحسبًا لأي مؤشرات قد ترتبط بالخطر.
واعتمدت الدراسة على تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، لرصد نشاط أدمغة مجموعة من الأشخاص البالغين الذين تعرضوا للإساءة في طفولتهم، أثناء مشاهدتهم صورًا لوجوه تحمل تعبيرات مختلفة، من بينها الخوف والغضب والحزن والسعادة، قبل مقارنة النتائج مع أشخاص لم يمروا بتجارب مشابهة.
وأظهرت النتائج أن توقيت التعرض للإساءة خلال مراحل النمو يعد عاملًا مؤثرًا في طبيعة التغيرات التي تطرأ على الدماغ؛ إذ سجل الأشخاص الذين تعرضوا للعنف قبل سن الثالثة عشرة نشاطًا متزايدًا في منطقة الحُصين، المرتبطة بالذاكرة وربط التجارب بالسياق العاطفي، أثناء معالجة الإشارات الانفعالية غير الواعية.
في المقابل، أظهر الأشخاص الذين تعرضوا للإساءة خلال مرحلة المراهقة نشاطًا أكبر في منطقة اللوزة الدماغية، المسؤولة بشكل رئيسي عن اكتشاف المخاطر وتنظيم الاستجابات السريعة المرتبطة بالخوف.
وأشار الباحثون إلى أن مرحلة الطفولة تُعد فترة حساسة في نمو الدماغ، الأمر الذي يجعل التجارب السلبية المتكررة أكثر تأثيرًا، وقد يؤدي ذلك إلى حالة تعرف بـ"فرط اليقظة"، بحيث يصبح الفرد أكثر حساسية تجاه المواقف التي قد يفسرها على أنها تهديد، مما قد يرتبط بزيادة احتمالية ظهور اضطرابات مثل القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة.
وأكد الخبراء أن هذه النتائج لا تعني أن جميع الأشخاص الذين تعرضوا لصدمات في طفولتهم سيصابون باضطرابات نفسية، موضحين أن عوامل متعددة تؤثر في النتائج النهائية، من بينها الدعم الأسري والاجتماعي، والبيئة المحيطة، والتجارب الإيجابية اللاحقة، إضافة إلى الحصول على الدعم النفسي عند الحاجة.
كما لفتت الدراسة إلى أن الدماغ يمتلك قدرة كبيرة على التكيف وإعادة تنظيم وظائفه، ما يعني أن آثار التجارب الصعبة في الطفولة يمكن أن تتحسن من خلال العلاج النفسي والدعم المناسب.
وأكد الباحثون أن فهم تأثير صدمات الطفولة على دوائر الدماغ قد يفتح المجال أمام تطوير أساليب علاجية أكثر دقة، خصوصًا للأشخاص الذين يعانون من القلق المستمر أو الخوف المفرط أو صعوبة التعامل مع المواقف العاطفية، مشيرين إلى أن توقيت حدوث الصدمة قد يكون عاملًا أساسيًا في تشكيل استجابة الدماغ في المستقبل.