حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
بسام الردايدة لـ«نيروز»:
«حين يفقد العالم ملامحه».. معرض يرصد ارتجاف الإنسان أمام تحولات العالم
نيروز – محمد محسن
عبيدات
في تجربة تشكيلية
تنفتح على أسئلة الإنسان والذاكرة والمكان، ويغلب عليها التأمل في التحولات العميقة
التي يعيشها العالم، افتتح رئيس جامعة اليرموك الدكتور مالك الشراري معرض الفنان والأستاذ
الدكتور بسام الردايدة، الذي حمل عنوان «حين يفقد العالم ملامحه»، والذي اقيم في حرم جامعة اليرموك ، وسط حضور لافت لنخبة
من الشخصيات الوطنية والثقافية والفنية، من بينهم أصحاب المعالي فيصل الشبول والدكتور
طارق الحموري، وعطوفة الدكتور تركي عبيدات، والعين الأسبق آمنة الزعبي، إلى جانب عدد
من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالفن التشكيلي.
وحمل المعرض في مضامينه
رؤية فنية وفكرية تتجاوز فكرة التوثيق المباشر للأحداث، لتذهب نحو قراءة الإنسان في
لحظات الاضطراب، عندما تتصدع القيم، وتختل الموازين، وتتغير ملامح المكان والذاكرة،
ويجد الإنسان نفسه أمام أسئلة كبرى تتعلق بالحياة والبقاء والفقد واليقين.
وفي حوار خاص مع
وكالة نيروز الإخبارية، تحدث الفنان الأستاذ الدكتور بسام الردايدة عن فكرة المعرض،
ودلالات عنوانه، والرسائل التي تحملها أعماله، إضافة إلى المحطات المقبلة التي ستنتقل
إليها التجربة الفنية.
نيروز: بداية، ماذا
يعني لكم عنوان المعرض «حين يفقد العالم ملامحه»؟
الردايدة: العنوان
بالنسبة لي ليس وصفاً لحالة عابرة، ولا توثيقاً لحدث محدد، وإنما هو محاولة للتأمل
في لحظة يشعر فيها الإنسان بأن العالم من حوله يتغير بصورة متسارعة، وأن كثيراً من
الثوابت والقيم والمفاهيم أصبحت موضع سؤال. عندما يفقد العالم ملامحه، لا يكون الأمر
مرتبطاً بالمكان فقط، بل يمتد إلى الوعي والذاكرة والشعور الإنساني، وهذا ما حاولت
أن أقترب منه من خلال الأعمال المعروضة.
نيروز: ما الذي أردتم
التعبير عنه من خلال هذه التجربة التشكيلية؟
الردايدة: حاولت
أن أقدم قراءة بصرية للإنسان في مواجهة التحولات القاسية التي يشهدها العالم. هناك
الحرب، والجائحة، وفقدان المأوى، والخوف، واضطراب اليقين، لكنني لم أرد أن أتوقف عند
مشهد الخراب وحده، بل حاولت البحث عن أثر هذه الأحداث في داخل الإنسان، وكيف تتشكل
الذاكرة من جديد، وكيف يصبح البقاء في بعض اللحظات سؤالاً وجودياً.
نيروز: نلاحظ حضوراً
واضحاً للضوء والظلمة في أعمال المعرض.. ماذا يمثلان؟
الردايدة: الضوء
والظلمة عنصران أساسيان في هذه التجربة. الضوء قد يكشف هشاشة الأشياء والإنسان، بينما
الظل يمكن أن يتحول إلى حضور كثيف يحمل الكثير من الأسئلة. هذا التداخل بين النور والعتمة
يعكس حالة الإنسان الذي يعيش بين الأمل والخوف، وبين الرغبة في المقاومة والإحساس بالسقوط.
نيروز: هل يمكن القول
إن الجسد في أعمالكم يمثل الإنسان في مواجهة العالم؟
الردايدة: بالتأكيد.
الجسد في هذه الأعمال ليس مجرد شكل فني، بل هو مساحة تحمل آثار التجربة الإنسانية.
أحياناً يظهر الجسد في حالة مقاومة، وأحياناً يبدو معلقاً بين السقوط والنهوض، وهو
بذلك يعكس هشاشة الإنسان وقوته في الوقت ذاته. الإنسان قد ينكسر، لكنه يمتلك دائماً
القدرة على محاولة النهوض والاستمرار.
نيروز: إلى أي مدى
حضرت الذاكرة والمكان في لوحاتكم؟
الردايدة: الذاكرة
حاضرة بقوة، لأنها جزء أساسي من تكوين الإنسان. أما المكان، فهو ليس مجرد خلفية للأحداث،
بل يحمل تاريخاً وآثاراً وذكريات. عندما يتعرض المكان للخراب أو الفقد، فإن الإنسان
لا يفقد حجارة أو جدراناً فقط، بل يفقد جزءاً من ذاكرته. لذلك حاولت أن أقدم المكان
بوصفه ذاكرة متصدعة، وأن أجعل اللوحة مساحة لاستعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.
نيروز: هل يقدم المعرض
إجابات عن الأسئلة التي يطرحها؟
الردايدة: أعتقد
أن الفن لا يقدم دائماً إجابات مباشرة، وربما لا ينبغي له ذلك. الفن يمكن أن يفتح الأسئلة
ويمنح الإنسان فرصة للتأمل وإعادة التفكير. هذا المعرض مواجهة مفتوحة مع هشاشة الإنسان،
وهو دعوة للمتلقي لأن يقرأ العمل من تجربته الخاصة، وأن يجد فيه شيئاً من أسئلته ومخاوفه
وذاكرته.
نيروز: كيف تنظرون
إلى دور الفن في ظل ما يشهده العالم من أزمات وتحولات؟
الردايدة: في مثل
هذه الظروف يصبح الفن أكثر ضرورة، لأنه يستطيع أن يحفظ الذاكرة، وأن يمنح الإنسان مساحة
للتأمل، وأن يقول ما قد تعجز الكلمات عن قوله. الفن ليس رثاءً للعالم، وإنما شهادة
على ما يحدث، وعلى ارتجاف الإنسان أمام الأحداث، وفي الوقت نفسه شهادة على قدرته على
الاستمرار والنظر إلى المستقبل رغم كل شيء.
نيروز: ما أهمية
افتتاح المعرض في جامعة اليرموك؟
الردايدة: جامعة
اليرموك مؤسسة علمية وثقافية لها حضورها الكبير في المشهد الوطني، واحتضانها لهذا المعرض
يمثل قيمة مهمة بالنسبة لي، كما أن وجود هذا الحضور من الشخصيات الوطنية والثقافية
والفنية يمنح التجربة زخماً كبيراً. وأتوجه بالشكر إلى رئيس الجامعة الدكتور مالك الشراري
على افتتاحه المعرض، وإلى كل من حضر وشارك في هذه المناسبة.
نيروز: علمنا أن
المعرض سينتقل إلى محطات أخرى.. هل تحدثنا عن خطتكم المقبلة؟
الردايدة: نعم، المعرض
لن يتوقف عند محطة إربد، حيث من المقرر أن ينتقل إلى العاصمة عمّان، وبعد ذلك إلى إسبانيا.
وأعتقد أن انتقال الأعمال إلى أكثر من مكان يمنحها فرصة للحوار مع جمهور مختلف، ويتيح
للتجربة أن تصل إلى مساحات أوسع، خصوصاً أن موضوعاتها تحمل طابعاً إنسانياً يتجاوز
الحدود الجغرافية.
نيروز: ماذا تتوقعون
أن يضيف انتقال المعرض إلى إسبانيا؟
الردايدة: أتطلع
إلى أن تكون محطة إسبانيا فرصة للتعريف بالتجربة التشكيلية الأردنية، وفتح حوار مع
تجارب فنية وثقافية مختلفة. الفن لغة عالمية، والموضوعات التي يتناولها المعرض، مثل
الإنسان والذاكرة والفقد والمقاومة، هي قضايا يمكن أن يتفاعل معها الإنسان في أي مكان.
نيروز: في كلمة أخيرة،
ماذا تريدون أن يبقى في ذاكرة زائر المعرض؟
الردايدة: أتمنى
ألا يخرج الزائر بإجابة واحدة، بل بسؤال جديد. أريد أن يتأمل في الإنسان، وفي العالم
من حوله، وفي معنى أن نستمر رغم كل ما يحدث. «حين يفقد العالم ملامحه» ليس رثاءً للعالم،
بل شهادة على ارتجافه، وعلى قدرتنا، رغم كل شيء، على مواصلة رؤيته، والتأمل فيه، ومحاولة
فهمه من جديد.
وهكذا يغادر الزائر
فضاء المعرض وهو يحمل أكثر من صورة وأكثر من سؤال؛ فبين الضوء والظل، وبين الجسد والمكان،
وبين الذاكرة والغياب، يضع الفنان بسام الردايدة المتلقي أمام مرآة لعالم مضطرب، لكنه
لا يزال قادراً على إنتاج الفن، وعلى تحويل الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال، والسؤال
إلى مساحة جديدة للأمل.