الْحَمْدَ لِلَّهِ الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، نحمده ونستعينه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة حق تنجينا من عذاب أليم ، عليها نحيا وعليها نموت ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق جهاده وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
*عباد الله :* اعلموا أن القرآن الكريم ذكرَ فئات يحبهم الله سبحانه وتعالى، ومنهم المحسنون، يقول الله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة: 195، ويقول الله تعالى: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران: 148، وسرُّ محبة الله تعالى للمحسنين أن الإحسان هو العبادة المُخلصة وهو أعلى مراتب الإيمان، التي تعبر عن جمال النفس، فالإحسان مشتق من (الحُسن) وهو الجمال، ورسول الله ﷺ قال: «إن الله جميل يحب الجمال» صحيح مسلم.
والإحسان هو وصية الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) فالمقصود بالإحسان هنا في الآية: الإحسان الّذي هو فوق العدل؛ حيث إنّ العدل يعني أن يُعطي الإنسان ما عليه ويأخذ ما له، أمّا الإحسان يعني أن يُعطي الإنسان أكثر ممّا عليه ويأخذ أقلّ ممّا له، فالإحسان زائد على العدل.
يقول الإمام الغزالي: "وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعا والعدل سبب النجاة فقط وهو يجري من التجارة مجرى رأس المال، والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري من التجارة مجرى الربح، ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة فلا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان".
وأما كيفية الوصول إلى مرتبة الإحسان فيكون (بالإخلاص، ومراقبة الله، والحياء منه سبحانه، والاجتهاد في العبادات عن القدر الواجب):
أما الإخلاص لله تعالى، فهو كما قال الإمام القشيري رحمه الله تعالى: " إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو: أنه يريد بطاعته التقرب إلى الله سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب به إلى الله تعالى، ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين".
ثانيها: مراقبة الله تعالى في السرِّ والعَلن وهو قول رسول الله ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» متفق عليه، ومعناه العلم بأن الله مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت، وأن سر القلب في حقه مكشوف، فمن راقب الله عز وجل في جميع أفعاله لن يقدم على ارتكاب المحرمات، ولن يقصّر في أداء الواجبات، وسيرتقي بنفسه إلى مقام الوَرع، وهو ترك الشبهات، والتوسع في المباحات، حرصاً منه على مرضاة الله عز وجل.
ثالثها: الحياء من الله عز وجل: فمن استحيا من الله عز وجل الذي يطلع على سريرته وأفعاله الظاهرة، فإنه لن يقدم على فعل المحرمات، وسيحرص على الإخلاص في عمل الطاعات، قال رسول الله ﷺ: الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. رواه أحمد والترمذي.
رابعاً: الاجتهاد في العبادات والطاعات، والزيادة فيها عن القدر الواجب، والاتقان فيها غاية الاتقان، وبذل المعروف للناس.
فإذا علِمنا طريق الوصول إلى الإحسان، فلنعلم أن للإحسان مراتب ودرجات:
أعلاها: الإحسان في عبادة الله عز وجل، لقول النبي ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» متفق عليه، فالإحسان في العبادة يكون بكمال الخشوع، وتمام الخضوع لله تعالى، والإحسان في الصلاة لا يقتصر على أداء الواجبات المفروضة، بل يتممها بالسنن والنوافل وقيام الليل مع الانقياد لمعاني الصلاة العظيمة، والإحسان في الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الأكل والشرب، ولكن فليمنع نفسه عن شهواته، وليصم قلبه عما سوى الله تعالى، والإحسان في المال لا يقتصر على إخراج الزكاة الواجبة، ولكن يتعداه إلى الإنفاق في الصدقات ووجوه الخير، يقول تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة: 195.
وثاني هذه الدرجات: الإحسان إلى الناس جميعاً، وقد شملهم الله تعالى بقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) النساء: 36.
فالإحسان إلى الوالدين يكون بالحرص على برهما، وبسط جناح الرحمة لهما، والدعاء لهما، وأداء الشكر لهما، يقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء:24.
والإحسان إلى الجيران يكون بتفقد أحوالهم، وبذل الهدية لهم، وستر عوراتهم، وصيانة شرفهم، والتجاوز عن زلاتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ" رواه مسلم.
والإحسان إلى الأيتام والمساكين تكون بكفالتهم والإنفاق عليهم، وعدم أكل أموالهم بالباطل.
والإحسان إلى عموم البشر، تكون بأداء حقوقهم، وعدم ظلمهم، أو غشهم، والصفح عنهم والتجاوز عن سيئاتهم، يقول الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران: 134.
وثالث هذه الدرجات تكون بالإحسان في العمل والمعاملات الدنيوية، ويكون ذلك بإتقان العمل، والحرص على عدم الغش والخداع، وأن يتعلم الإنسان العلوم التي ينفع بها الأمة وينهض بالمجتمع، قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» المعجم الأوسط للطبراني.
عباد الله: إذا ما حرص المؤمن على الإحسان في عمله فإنه سيجني ثمرات هذا الإحسان ومن هذه الثمرات:
أولاً: محبة ورضى الله سبحانه وتعالى: يقول سبحانه وتعالى: (وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) المائدة: 93.
ثانياً: الإحسان سبب لنوال رحمة الله عز وجل ومغفرته، يقول الله تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف: 56.
ثالثاً: حصول معية الله الخاصة للمحسنين، وهي الحفظ والعناية والتأييد، يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ النحل: 128.
خامساً: دخول جنات النعيم ورفعة الدرجات في الآخرة، يقول الله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) الرحمن: 60، ويقول سبحانه: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الزمر: 34.
اللهم إنا نتوجه إليك في أهل غزة والضفة وأهل فلسطين أن تداوي جراحهم، وتشافي مصابهم، وترحم شهداءهم، وأن تذيقهم حلاوة الجبر، بعد مرارة الصبر.
*الخطبة الثانية :*
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران:102.
واعلموا عباد الله أن الله قد أمركم بأمر عظيم بدأ به بنفسه وثنى بملائكة قدسه، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ سورة الأحزاب: الآية 56. عن أُبي بن كعب رضي الله عنه: "أنّ من واظبَ عليها يكفي همه ويُغفر ذنبه". واعلموا أن من صلى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً، صلى الله تعالى بها عليه عشراً، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا". وصلاة الله على المؤمن تخرجه من الظلمات إلى النور. يقول الله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ﴾ سورة الأحزاب: الآية43. وهذا يتطلب التخلق بأخلاقه ﷺ والاقتداء بسنته في البأساء والضراء وحين البأس.
واعلموا أن من دعا بدعاء سيدنا يونس عليه السلام: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ استجاب الله له. ومن قالها أربعين مرة فإن كان في مرض فمات منه فهو شهيد وإن برأ برأ وغفر له جميع ذنوبه. ومن قال: "سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ".
واعلموا أن المواظبة على قراءة سورة المُلك كل ليلة تشفع لصاحبها حتى يغفر الله تعالى له، وهي المانعة المُنجية التي تُنجي قارئها من عذاب القبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك" رواه الإمام أحمد والنسائي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هِيَ المَانِعَةُ، هِيَ المُنْجِيَةُ، تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» رواه الإمام الترمذي.
سائلين الله تعالى أن يحفظ الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين الحسين بن عبد الله، وأن يوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد، إنه قريب مجيب.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النحل: 90. ويقول الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَاءِ وَٱلمُنكَرِ وَلَذِكرُ ٱللَّهِ أَكبَرُ وَٱللَّهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ﴾ العنكبوت: 45.