حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
"رفيقة
في درب الحياة".. حين تتحول الزوجة إلى سيرة وفاء ونضال وإبداع .. الدكتور
محمد قنديل
نيروز
– محمد محسن عبيدات
ليست كل
الكتب التي تتناول السيرة الذاتية مجرد استعادة لذكريات الماضي، بل إن بعضها يتحول
إلى رسالة إنسانية وأخلاقية تحفظ الجميل، وتوثق رحلة حياة صنعت أثرًا في الأسرة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق يأتي كتاب الدكتور محمد عيسى قنديل الموسوم "رفيقة في درب الحياة..
سيرة نضال وإبداع"، ليكون شهادة وفاء صادقة لامرأة استثنائية، جمع فيها الكاتب
بين الحب والتقدير والتوثيق، فرسم ملامح زوجة وأم ومربية وقائدة إنسانية تركت بصمة
لا تمحى في حياة كل من عرفها.
يقدم الدكتور
قنديل في هذا الكتاب صورة مختلفة للزوجة، فهي ليست شريكة حياة فحسب، بل الركن الذي
يستند إليه البيت، والنبض الذي يمنحه الدفء والاستقرار، واليد التي تبني بصمت، وتضحي
دون انتظار مقابل. ويؤكد أن نجاح الأسرة لا يقاس بما تملكه من مال أو جاه، وإنما بما
تحمله من قيم المحبة والعطاء والإيمان.
وتتجسد
هذه الصورة في شخصية "أم أمجد"، التي يروي الكاتب تفاصيل مسيرتها منذ طفولتها،
مرورًا بحياتها العلمية والعملية، وحتى عطائها الإنساني الواسع. فقد نشأت في بيت كريم،
وتربت على القيم والأخلاق، ثم أصبحت معلمة وقائدة تربوية وزوجة حملت مسؤولياتها بكل
اقتدار، فكانت مثالًا للمرأة التي استطاعت التوفيق بين نجاحها المهني ورسالتها الأسرية،
دون أن يطغى جانب على آخر.
ويستعرض
الكتاب سنوات الغربة التي اضطر الزوج خلالها إلى الابتعاد عن أسرته، لتتولى الزوجة
إدارة شؤون البيت وتربية الأبناء ومتابعة تفاصيل حياتهم، محافظة على استقرار الأسرة،
حتى بدا البيت أكثر انتظامًا مما لو كان الزوج حاضرًا فيه. وهي شهادة صريحة على قوة
شخصيتها، وحسن إدارتها، وإيمانها بأن الأسرة مسؤولية ورسالة.
ولا يقف
الكتاب عند حدود الحياة الأسرية، بل يفتح نافذة واسعة على أعمال الخير التي قامت بها
الراحلة، حيث كانت ترى أن المال وسيلة لخدمة الإنسان، فدعمت المحتاجين، وساعدت الطلبة
على إكمال دراستهم الجامعية، وساندت العاملات من ذوات الدخل المحدود، وقدمت الهدايا
والعون لكل من احتاج إليها، حتى أصبحت نموذجًا للعطاء الإنساني الذي لا يعرف حدودًا.
كما يبرز
الكتاب اهتمامها العميق بالقرآن الكريم، حفظًا وتلاوة وتدبرًا، وإيمانها بأن بناء الإنسان
يبدأ من بناء الروح. فساهمت في دعم حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ووهبت جزءًا من ممتلكاتها
لخدمة هذا الهدف، كما تحقق حلمها ببناء مسجد جامع في مدينة إربد، ليبقى صدقة جارية
ومنارة للعلم والعبادة.
ويكشف
المؤلف عن جانبها الأدبي والفكري، إذ كانت محبة للشعر والثقافة، تحمل رؤية إنسانية
تدعو إلى المحبة والتسامح، ويتجلى ذلك في قصائدها ورسائلها التي كتبتها في سنوات الخطوبة،
والتي تعكس طموحها في أن يكون لها أثر فكري وإنساني يتجاوز حدود المكان والزمان.
تميز أسلوب
الدكتور محمد عيسى قنديل بالصدق والعفوية، فابتعد عن المبالغة، وكتب بلغة وجدانية رصينة
امتزجت فيها مشاعر الزوج الوفي بقلم الباحث الذي يوثق الوقائع والأحداث. فجاء الكتاب
قريبًا من القلب، يحمل قيم الوفاء والامتنان، ويعيد الاعتبار لدور المرأة التي تبني
الأجيال بصمت، وتترك أثرها في النفوس قبل أن تتركه في صفحات التاريخ.
إن
"رفيقة في درب الحياة.. سيرة نضال وإبداع" ليس مجرد كتاب عن زوجة أحبها زوجها،
بل هو وثيقة إنسانية تخلد سيرة امرأة آمنت بأن الخير هو أعظم استثمار، وأن التربية
الصالحة والعطاء الصادق والإيمان بالله هي الأسس التي تبني الأوطان قبل البيوت. وهو
دعوة لكل قارئ إلى أن يتأمل قيمة الوفاء، وأن يدرك أن أعظم الشخصيات ليست دائمًا تلك
التي تتصدر المشهد، بل قد تكون تلك التي صنعت نجاح الآخرين بصمت، وتركت خلفها إرثًا
من المحبة والعمل الصالح لا يزول.