عندما يغادر الموظف مكتبه في آخر يوم عمل، يظن البعض أنه أغلق آخر صفحة من صفحات عطائه. لكن الحقيقة أن الوظيفة قد تنتهي، بينما لا تتقاعد الخبرة، ولا تغيب الحكمة، ولا يتوقف العقل عن الإبداع. لذلك، فإن الوقت قد حان للانتقال من مفهوم "كبار السن" إلى مفهوم أكثر عمقًا وإنصافًا هو "كبار العقل".
إن المتقاعد ليس عبئًا على المجتمع، بل هو أحد أعمدته. فقد أمضى سنوات عمره في خدمة الوطن، وأسهم في بناء المؤسسات، وتحمل المسؤوليات، وربّى أجيالًا، وواجه التحديات، وترك بصمات لا يمكن تجاهلها. وكل هذه التجارب تمثل رأس مال فكريًا يجب الحفاظ عليه والاستفادة منه، لا وضعه على هامش الحياة العامة.
إن الدول التي تتقدم لا تهدر خبرات أبنائها بعد التقاعد، بل تحولها إلى قوة داعمة للتنمية من خلال الاستشارات، والتدريب، والتوجيه، والعمل التطوعي، والمشاركة في رسم السياسات ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة. فالخبرة المتراكمة لا تُقدّر بثمن، وهي ثروة وطنية تستحق الاستثمار.
وتبدأ هذه الثقافة من الأسرة التي تُرسخ احترام المتقاعد والاستماع إلى رأيه، مرورًا بالمؤسسات التي تفتح أمامه مجالات المشاركة، ووصولًا إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي يقع على عاتقها تغيير الصورة النمطية للتقاعد، وإبراز قصص النجاح والعطاء بعد انتهاء الخدمة الوظيفية.
كما أن للدولة دورًا محوريًا في تبني سياسات وطنية تستثمر خبرات المتقاعدين، وإنشاء مجالس أو برامج وطنية تضم أصحاب الكفاءات والخبرات، ليظلوا شركاء في التنمية وصناعة المستقبل، لا مجرد متلقين للخدمات.
إن احترام المتقاعد لا يكون بكلمات الثناء وحدها، بل بتقدير مسيرة حياته، والاستفادة من علمه وخبرته، ومنحه المكانة التي يستحقها. فالوفاء لمن خدم وطنه ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل هو استثمار في مستقبل الوطن.
إن تغيير المصطلحات يغيّر الثقافة. وعندما نصف المتقاعد بأنه "كبير عقل"، فإننا نؤكد أن الإنسان يُقدَّر بعلمه، وخبرته، وعطائه، لا بعمره فقط. إنها دعوة لإعادة تعريف التقاعد، بوصفه بداية مرحلة جديدة من التأثير والإلهام وخدمة المجتمع.
فلنجعل من "كبار العقل" عنوانًا لمرحلة وطنية جديدة، نكرّم فيها من أعطوا، ونستثمر خبراتهم، ونورث الأجيال القادمة ثقافة الوفاء والاحترام، لأن الأمم التي تحفظ عقولها وخبراتها هي الأمم الأقدر على بناء مستقبلها.
الدكتور مفلح الزيدانين
متخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد البشرية