في ظل المتغيرات السريعة التي تعيد رسم خريطة عالمنا اليوم ، وتضعنا أمام تحديات كبيرة ، نحتاج إلى فهم ما يجري حولنا بعيداً عن السطحية . إن كتاب " الوظيفة اليهودية " للدكتور فهد حجازي ليس مجرد كتاب في التاريخ ، بل هو مرآة تكشف لنا كيف استُخدمت شعوب وجماعات عبر الزمن كأدوات لتنفيذ مشاريع دول كبرى ، وهو ما يسميه الكاتب " الوظيفة " .
فكرٌ نقدي في تفكيك الروايات :
يعد الدكتور فهد حجازي باحثاً متميزاً ، كرس حياته الأكاديمية لدراسة تاريخ المشرق العربي بمنهج نقدي قوي . هو بارع في تفكيك الروايات التاريخية التي اعتدنا عليها . قراءته للتاريخ لا تقف عند سرد الأحداث فقط ، بل تغوص في فهم الأسباب الخفية للسياسة . هو يبحث في المصادر التاريخية ليقلب موازين الفهم التقليدي ، ويكشف كيف خططت القوى الاستعمارية لرسم صور معينة تخدم أهدافها . هذا المنهج هو ما يجعل حجازي مرجعاً لمن يريد كشف خيوط اللعبة الاستراتيجية ، فهو لا يعرض الوقائع فحسب ، بل يعيد تركيبها ليكشف التخطيط الذي يقف خلف أزماتنا اليوم .
المشرق العربي : مطمعٌ دائم عبر العصور :
يؤكد الكتاب حقيقة واضحة : وهي أن قلب المشرق العربي كان دائماً هدفاً لأطماع القوى الكبرى . ومن خلال فهم علم " الجيوسياسية " - وهو العلم الذي يدرس أثر المكان والموارد على السياسة الدولية - نفهم لماذا ظل موقعنا الاستراتيجي هدفاً للسيطرة عبر التاريخ . يوضح حجازي أن " الوظيفة اليهودية " ليست شيئاً جديداً ظهر في العصر الحديث ، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من محاولات القوى الخارجية لزرع كيانات وظيفية تدير المنطقة نيابة عنها ، لضمان تفتيتها وإبقاء شعوبها في دوامة من الضعف .
التاريخ يعيد نفسه : صراع الوكلاء :
لا يتوقف التاريخ عند حالة واحدة ، بل نجد هذا النمط يتكرر في استراتيجيات الصراع الكبرى . فقد اعتادت الإمبراطوريات عبر الزمن استخدام " الكيانات الوظيفية " كدروع بشرية . كما تحالفت الدولة الفارسية قديماً مع " المناذرة " في العراق ضد الروم والبيزنطيين ، وتحالفت الدولة البيزنطية مع " الغساسنة " في الشام ضد الفرس ، نجد أن الغاية واحدة : هي تحويل هذه الجماعات إلى خط دفاع أول يمنع تلامس الإمبراطوريات مباشرة ، ويُبقي الصراع دائماً بعيداً عن مراكز الحكم ، وعلى حساب دماء وأرض الشعوب التي وُضعت في هذه الوظيفة .
جدلية " الوظيفة " : من أرتحششتا إلى بلفور :
يكشف الدكتور حجازي عن " مهندسي السياسة الاستعمارية " عبر الزمن ، ويوضح كيف استُخدمت فكرة " الحاجز " لخدمة أهداف كبرى :
الاستراتيجية الفارسية : في القرن الخامس قبل الميلاد ، لم يكن دعم الملك الفارسي " أرتحششتا " للوجود اليهودي في فلسطين عملاً خيرياً ، بل كان خطوة سياسية مدروسة . أراد الفرس خلق " حاجز بشري " يفصل بين إمبراطوريتهم وبين القوة المنافسة آنذاك وهي مصر الفرعونية . لقد كانت فلسطين في نظرهم منطقة عازلة تضمن أمن حدودهم ، وتنهك أي تحالف مصري - مشرق ، فجعلوا اليهود حراساً لمصالحهم .
الاستراتيجية البريطانية : في بداية القرن العشرين ، أعادت بريطانيا إنتاج نفس " الوظيفة " بأدوات حديثة . فإصدار وعد بلفور كان تنفيذاً لرؤية استعمارية تهدف لزرع كيان وظيفي دائم . الهدف لم يكن حاجزاً ضد الفراعنة ، بل كان حاجزاً ضد " الوحدة العربية " ، لضمان تقسيم المنطقة إلى دويلات ضعيفة ، ومنع أي نهضة تهدد النفوذ البريطاني في طرق التجارة الدولية .
لماذا وقع الاختيار على اليهود تحديداً :
قد يتساءل القارئ : لماذا اختار الاستعمار اليهود تحديداً لهذا الدور ؟ الإجابة تكمن في أن الاستعمار لم يخترهم صدفة . لقد بحث القادة الاستعماريون عن أداة تمتلك " شرعية تاريخية " مزعومة ، وعزلة اجتماعية عن المحيط العربي . إن اختيار اليهود وفر للمستعمر وكيلاً لا يملك جذوراً طبيعية في المنطقة ، مما يجعل ولاءه الوحيد لمن أنشأه وحماه . كما أن هذا الاختيار يهدف لغرس صراع ديني طويل الأمد ، يحول المنطقة إلى ساحة استنزاف دائم ، مما يمنع الشعوب من الالتفات لبناء قوتها ويضمن بقاءها تحت سيطرة القوى الخارجية التي توفر الحماية لهذا " الحارس الوظيفي " .
إن كتاب " الوظيفة اليهودية " ليس مجرد وثيقة تاريخية ، بل هو بوصلة فكرية تبصرنا بحقيقة أن استهداف المنطقة ليس صدفة ، بل هو هندسة متصلة عبر آلاف السنين . إن إدراكنا أن الكيانات الوظيفية - سواء كانت قبائل حدودية قديماً أو كيانات استيطانية حديثاً - قد وُضعت لتعطل حركتنا التاريخية هو بداية الطريق للخروج من التبعية نحو فضاء السيادة والنهضة القومية . نحن أمام أمانة علمية ووطنية تفرض علينا الوعي بهذه الحقائق ، فالتمسك بفهم جذور الصراع هو السلاح الأقوى في مواجهة أدوات الهيمنة ، والخطوة الأولى نحو استعادة زمام المبادرة التاريخية لأمتنا .