سطّر الضابط الأردني الشهيد محمد حمد الحنيطي واحدة من أبرز صفحات البطولة في تاريخ النضال العربي، بعدما رفض الانسحاب من فلسطين عام 1948، وتمرد على أوامر القائد البريطاني للجيش العربي جون باغوت كلوب "كلوب باشا"، مفضلاً البقاء إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين والدفاع عن مدينة حيفا حتى استشهد في معركة بطولية.
وُلد الحنيطي في منطقة أبو علندا شرقي العاصمة عمّان، والتحق بالجيش العربي قبل أن يدخل فلسطين مع جيش الإنقاذ في ظل تصاعد المواجهات مع العصابات الصهيونية. وتولى قيادة حامية حيفا، حيث أقام علاقات وثيقة مع قادة المقاومة واللجنة القومية في المدينة، وأدرك مبكرًا حجم التحديات التي واجهتها الجيوش العربية بسبب نقص التسليح وضعف التنسيق.
ومع تراجع القوات العربية وصدور أوامر بالانسحاب، رفض الحنيطي مغادرة فلسطين، واستقال من الجيش لينضم إلى صفوف المقاومة، ويعمل على توحيد الفصائل المقاتلة تحت قيادة واحدة، مقسمًا المدينة إلى قطاعات عسكرية، ومؤسسًا مقرًا للقيادة في منطقة "حمام الباشا"، رغم أن عدد المقاتلين لم يتجاوز 400 فدائي بأسلحة محدودة.
وقاد الحنيطي عدداً من المعارك التي أوقعت خسائر كبيرة في صفوف العصابات الصهيونية، من أبرزها معركة شارع "فيرجن" ومعركة 14 آذار 1948، قبل أن يتوجه إلى بيروت برفقة المناضل سرور برهم للحصول على أسلحة وذخائر لدعم المدافعين عن حيفا.
وبعد نجاحه في تأمين شاحنتين محملتين بالسلاح، أصر الحنيطي على مرافقة القافلة بنفسه رغم التحذيرات، إلا أن العصابات الصهيونية نصبت كمينًا للقافلة قرب مستعمرتي "كريات موتسكين" و"كريات حاييم"، لتندلع مواجهة عنيفة.
وأمام اقتراب المهاجمين من الاستيلاء على شاحنة الأسلحة، اتخذ الحنيطي قراره الأخير، فألقى قنبلة داخل الشاحنة، مفضلاً تدميرها واستشهاده مع رفاقه على وقوع الأسلحة بيد العدو. وأسفر الانفجار، الذي وقع في 17 نيسان/أبريل 1948، عن استشهاده وعدد من رفاقه، فيما أشارت الروايات إلى مقتل وإصابة عشرات من أفراد العصابات الصهيونية وتدمير منشآت عسكرية كانت قريبة من موقع الانفجار.
وشيعت مدينة حيفا الشهداء من جامع الاستقلال إلى مقبرة الروضة، فيما لُف جثمان الشهيد محمد الحنيطي بالعلم الأردني، ونقل إلى مدينة جنين قبل أن يُدفن بين ذويه.
ويُعد الشهيد محمد حمد الحنيطي أحد أبرز الرموز الأردنية التي خلدت حضورها في معارك الدفاع عن فلسطين، بعدما جسد معاني التضحية والفداء، وترك سيرة بطولية لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية الأردنية والفلسطينية.