ضرورة بناء وتمتين الشراكات.... وأهمية مواجهة التهديدات والتحديات
كتب اللواء الركن السابق الدكتور محمد خلف الرقاد مدير التوجيه المعنوي الأسبق وأستاذ العلوم السياسية مقالًا مطولًا عالج فيه موضوع الأمن الوطني الأردني بين ضرورة بناء وتمتين الشراكات .. وأهمية مواجهة التحديات والتهديدات ، في ظل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط ، وجاء فيه :
دول المنطقة في الشرق الوسط متعددة المشارب ، متنوعة الاتجاهات، مختلفة السياسات ، ومتقاطعة الأهداف والمطامع والطموحات .
هل تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من التحولات السياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية ؟ ،سؤال يحتاج على إجابة من منظور أوسع !!.
البيئة السياسية والعسكرية والاقتصادية تفرض على الأردن مجموعة مركّبة من التحديات ذات الصلة بالأمن الوطني والاستقرار السياسي .
في ظل هذه البيئات المتشابكة إلى حد التعقيد هل أصبح موضوع بناء شراكات أردنية على المستويات الاستراتيجية ضرورة ن وبخاصة في المجالات السياسية والعسكرية والإعلامية والاقتصادية ؟.
الحفاظ على المصالح الوطنية العليا للدولة الأردنية أصبح ضرورة وطنية ، لا خيارًا تكتيكيًا عابرًا يمر بسرعة .
تنشر وكالة النيروز هذا المقال على حلقات ، وفيما يأتي النص الكامل للحلقة الرابعة :
الحلقة الرابعة
في ظل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط ...الأمن الوطني الأردني بين :
ضرورة بناء وتمتين الشراكات.... وأهمية مواجهة التهديدات والتحديات
أعزاءنا القراء ، ومتابعي وكالة النيروز الإخبارية ....سنبحث معكم في هذه الحلقة محاور مقترحة لاستراتيجيات بناء هذه الشراكات على الصعيدين (الداخلي والخارجي) ، وذلك لغايات تأمين متطلبات الأمن الوطني .
ونبدأ بسؤال يطرح بنفسه وبقوة ، والسؤال يتلخص في : كيف يمكن للاستراتيجية الوطنية الأردنية أن تتعامل مع عمليات بناء الشراكات الاستراتيجية مع الدول والمنظومات الداخلية والإقليمية والدولية؟. وسنتحدث في إطار عدد من المحاور الاستراتيجية المهمة ، حيث يمكن تناول المواضيع على الشكل الآتي :
كيف يمكن تناول الموضوع ؟ ، إن تناول موضوع كبير كهذا ، يحتاج إلى منهجية في التفكير واضحة تساعد على ترتيب هذا التناول ، حيث يمكن التنسيق والبدء على سبيل المثال في فكرة تعزيز العلاقات الدولية الأردنية مع الدول الشقيقة أو الصديقة او حتى الحليفة ، وذلك من خلال التوسع في التنسيق السياسي ، وتعزيز التعاون الثنائي ، وتطوير بعض التحالفات على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادي ، وقد يتطلب الأمر بعض التنسيق على المستويات العسكرية ، ويتم ذلك في إطار يحافظ على تحقيق التوازنات في العلاقات الدولية بين الدول ، وكذلك يمكن التوسع في بناء الشراكات الاستراتيجية لغايات تعزيز وتعظيم المصالح المشتركة، والعمل على تقليل المخاطر عبر التعاون المؤسسي والمنظم ، لذا فإن التوسع في الشراكات يجب أن ينطلق من أسس ومبادئ يأتي على رأسها تحديد المصالح المشتركة، وبناء الثقة المتبادلة من خلال الشفافية والوضوح في السياسات ، والالتزام بالاتفاقيات ، والعمل على تقليل فجوات الإدراك الاستراتيجي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن التكامل وليس التنافس هو من أهم المبادئ والأسس التي تقوم عليها الشراكات التي يُراد لها أن تستمر، وذلك من خلال توزيع الأدوار وفقًا للقدرات واستثمار المزايا لكل طرف من الأطراف .
من المهم جدًا توافر آليات وأدوات لتوسيع الشراكات ، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال الأطر السياسية والدبلوماسية، حيث تعقد الدول اتفاقيات استراتيجية طويلة المدى ، وتقوم بتشكيل لجان مشتركة مع الدول الشريكة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية ، كما يتم تكثيف الزيارات الرسمية والدبلوماسية بين الطرفين أو الأطراف المعنية ، وعقد اتفاقيات من خلال تعاون اقتصادي ، حيث يتم عقد اتفاقيات تجارة حرة على سبيل المثال، وأنشاء وتأسيس مشاريع استثمارية مشتركة مثل البُنى التحتية ومشاريع الطاقة والنقل وغيرها .
التعاون الأمني والعسكري . على صعيد آخر يشكل التعاون الأمني والعسكري أدوات وآليات تدعم توجهات توسيع الشراكات مع الدول الأخرى ، وذلك من خلال التدريبات والمناورات العسكرية والتمارين المشتركة ، وتبادل المعلومات الاستخباراتية لغايات بناء قدرات استخباراتية وعسكرية ميدانية وأمنية مشتركة لمواجهة التهديدات والتحديات التي قد تحدث أو من المتوقع حدوثها ، وهناك أمثلة كثيرة على مثل هذا التعاون العسكري ومنها في الأردن : تمرين (الأسد المتأهب) الذي يجري وفق توقيتات بترتيبات بين جيوش الدول التي ترغب في استمرارية توسيع شراكاتها ، ويشارك في التمرين الأردن والولايات المتحدة كقوتين رئيستين إلى جانب أكثر من 30 دولة منها فرنسا وبريطانيا والمانيا واسبانيا وهولندا والنرويج وبولندا وكندا واليابان ونيوزلندا وباكستان وكينيا وقبرص ،وغيرها من الدول الأوروبية والأفريقية ودول عربية مثل المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة والعراق والمغرب ولبنان والبحرين والكويت وسلطنة عُمان ، حيث تستضيف المملكة الأردنية الهاشمية هذا التمرين والقوات المشاركة فيه على مدى حوالي اسبوعين ، ويهدف هذا التمرين إلى تعزيز التعاون العسكري الأمني في مجالات الحرب السيبرانية ومكافحة الإرهاب بالإضافة إلى الاستجابة للكوارث وإدارة الأزمات .
ويجري مثل هذا التعاون بين كثير من الدول على الساحات العسكرية الدولية بين الجيوش على مستويات الدول الكبرى والدول غير الكبرى وكذلك في دول العالم النامي ، ومن الأمثلة عليها تمرين (النجم الساطع) وهو من أكبر التمارين والمناورات العسكرية متعددة الجنسيات في منطقة الشرق الأوسط والعالم ، وينظم بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية والقيادة المركزية الأمريكية، وتجري فعالياته الرئيسة في قاعدة محمد نجيب العسكرية ومناطق التمرين الممتدة قبالة ساحل العلمين شمال مصر، وقد شهد الكاتب فعاليات هذا التمرين لمرتين ، الأولى حينما كان مديرًا للتوجيه المعنوي والثانية حينما كان ملحقًا عسكريًا في القاهرة ( 2009 – 2011 ) ، ومن هذه التمارين أيضاً تمرين ( عزم النسور) وهو تمرين يتم بشكل دوري بالتعاون ما بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول مجلس التعاون الخليجي ، ويركز على الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل وإدارة الأزمات ، وهناك أيضاً تمرين ( رعد الشمال) وهو من أضخم المناورات العسكرية التي شهدتها المنطقة ، واستضافته المملكة العربية السعودية بمشاركة من دول عربية وإسلامية واسعة ، وهناك تمرين (كوبرا جولد) في القارة الآسيوية ويركز على العمليات البرمائية ، وتمرين ( مالا بار) ، وهو عبارة عن مناورات عسكرية تركز على العمليات البرمائية ، وتمرين ( المدافع الصامد) في أوروبا وحلف الناتو ، ويشكل أضخم مناورات عسكرية لحلف شمال الأطلسي ، وفي أفريقيا هناك تمرين (الأسد الأفريقي ) بتنسيق بين القيادة الأمريكية في افريقيا والمملكة المغربية وبمشاركة من دول افريقية ودولية متعددة الجنسيات .
بناء الشراكات وتوسيعها مع منظمة الأمم المتحدة . حيث تحقق هذه الشراكات استفادة للدول من حيث الشرعية الدولية ، ويعطي فرصة للمشاركة في عمليات حفظ السلام والأمن الدوليين ، وقد وسع الأردن من شراكاته في هذا المجال ، حيث كانت القوات المسلحة الأردنية تشكل ثاني أكبر قوات في قوات حفظ السلام الدولية ، وقد تولى قادة عسكريون أردنيون قيادة قوات حفظ السلام الدولية في أكثر من دولة مثل يوغسلافيا السابقة ، وفي إرتيريا وإثيوبيا ، وكانت شراكات ناجحة جدًا بحيث شكل كل فرد وضابط أردني في هذه القوات سفيرًا حقيقيًا للأردن ، مما وضع الصورة الذهنية عن مواقف وسلوكيات الأردن وقواته المسلحة في أوج أوضاعها العسكرية والإنسانية ، وقد زار الكاتب معظم كتائب قوات حفظ السلام الأردنية في مختلف دول العالم خلال عمله الإعلامي العسكري في مديرية التوجيه المعنوي ، وحينما كان مديرًا للتوجيه المعنوي ، ووثق بالتقارير الإعلامية المكتوبة والمرئية والمسموعة مع زملائه في هذه الوفود الإعلامية العسكرية هذا الواقع الحقيقي والرائع لمواقف رجال القوات المسلحة الأردنية / الجيش العربي وهم يخدمون السلم والأمن الدوليين ، ويوطدون أركانه في دول وصل مواطنوها إلى حافة الهاوية في فقدان نعمة الأمن والسلام والاستقرار.( وقد وثق ذلك في كتابه "البعد العسكري في السياسة الأردنية " الذي صدر في عام 2021 لمناسبة الذكري المئوية للدولة الأردنية من خلال تخصيص فصل كامل في الكتاب عن البعد العسكري للمشاركة العسكرية الأردنية في قوات حفظ السلام الدولية وعلى مساحة أكثر من (70) صفحة في الكتاب ص ص (244 – 316) . حيث يشكل هذا الفصل من هذا الكتاب جزءًا مهمًا من السردية الأردنية العسكرية الحقيقية بلا رتوش في حفظ الأمن والسلم الدوليين ، وموثقة بالحقائق والأرقام والصور وأسماء القيادات العسكرية الأردنية التي تولت قيادات قوات حفظ السلام الدولية في أكثر من دولة في العالم ، وقد طبعته القيادة العامة للقوات المسلحة من خلال مديرية التوجيه المعنوي بموافقة من عطوفة رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن الطيار يوسف الحنيطي جزاه الله كل الخير.
أعزاءنا القراء الكرام ننهي حلقة اليوم على أمل ان نلتقيكم في الحلقة الخامسة والأخيرة ، والتي سنعالج فيها ما تبقى لدينا من أطر التعاون المقترحة لتوسيع الشراكات التي تصب في بوتقة متطلبات الأمن الوطني الأردني ووسائل دعمها وإسنادها والاستجابة لها .،