يحافظ الأردن، منذ أكثر من 105 أعوام، على إرث راسخ في الصحافة وممارستها وفق المعايير المهنية السليمة، بما يخدم المجتمع ويصون حقه في المعرفة، ويعود ذلك إلى خريف عام 1920، حين صدرت أول صحيفة في الدولة الحديثة باسم "الحق يعلو".
ومنذ ذلك الحين، كفل الدستور الأردني والتشريعات الناظمة حرية صحفية مسؤولة، ملتزمة بمواثيق الشرف وحقوق الإنسان، وبعيدة عن انتهاك الكرامة الإنسانية أو اغتيال الشخصية أو نشر الأخبار الكاذبة وخطاب الكراهية.
ويصادف يوم غد الأحد، ذكرى إعلان "ويندهوك"، التي يحتفى بها بوصفها اليوم العالمي لحرية الصحافة، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت هذا اليوم في كانون الأول عام 1993، بناء على توصية المؤتمر العام "لليونسكو"، ليحتفل به سنويا في الثالث من أيار تأكيدا على أهمية حرية الصحافة ودورها.
وعلى مدى عقود، عمل الأردن على تعزيز حرية الصحافة من خلال تنظيم المهنة عبر نقابة الصحافيين الأردنيين وهيئة الإعلام المرئي والمسموع، إلى جانب دعم استقلالية وسائل الإعلام في مختلف المجالات، كما أتاح حق الحصول على المعلومات من خلال قانون واضح، وأطلق "منتدى التواصل الحكومي" كأداة إضافية لتعزيز الوصول إلى المعلومات، وهو المنتدى الذي تقوده وزارة الاتصال الحكومي.
ويشكل هذا اليوم مناسبة لتجديد التزام العاملين في الحقل الصحفي بمسؤولياتهم المهنية، وفرصة للتأمل في قضايا حرية الصحافة وأخلاقياتها، كما يمثل محطة للاحتفاء بالمبادئ الأساسية لحرية الإعلام، وتقييم واقعها عالميا، والدفاع عن استقلالها، وتكريم الصحفيين الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم المهني.
وقال نقيب الصحفيين، الزميل طارق المومني، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن هناك مؤشرات عالمية تتناول حرية الصحافة وتضع بعض الدول في مراتب متقدمة، رغم أنها شهدت خلال أشهر قليلة مقتل مئات الصحفيين وسجن أعداد مماثلة، متسائلا عن مدى موثوقية هذه التقارير في ظل هذه التناقضات، مؤكدا أن الأردن لم يشهد، عبر تاريخه، مثل تلك الأحداث.
وأضاف "الأردن لم يقيد يوما الصحافة المهنية الملتزمة"، معتبرا أن بعض هذه المؤشرات تفتقر إلى الحياد والنزاهة، وتبتعد عن الموضوعية المهنية، مشيرا إلى أن من يمنح هذه المؤشرات قيمة، عليه أن يراجع تصنيفات الدول التي وصفت بامتلاكها حرية صحافية رغم ما شهدته من انتهاكات جسيمة بحق الصحفيين.
وبين أن النقابة، منذ تأسيسها عام 1953 وحتى اليوم، تضطلع بدور رقابي على المهنة، وتعمل على تطبيق ميثاق الشرف الصحفي، إلى جانب مواكبة التطورات التكنولوجية والاستفادة منها بما يخدم رسالة الصحافة وأهدافها.
وأشار إلى أن الأردن واكب التحولات في المشهد الإعلامي بشكل متدرج، حيث حرصت التشريعات المختلفة على تطوير المهنة والارتقاء بمستواها، بما يعزز دورها في خدمة المجتمع.
ولفت إلى أن الاهتمام بالصحفيين يحظى بأولوية على أعلى المستويات في الأردن، إذ يحرص جلالة الملك عبدالله الثاني، وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، على التواصل المستمر معهم والاستماع إلى قضاياهم، وتقديم الدعم لضمان بقاء الصحافة سلطة رابعة مستقلة تدافع عن القضايا الوطنية.
وأكد أن الصحافة التقليدية، رغم التوسع الكبير في النشر بفعل التطورات التكنولوجية، ما تزال المصدر الأكثر موثوقية للمعلومة الدقيقة، نظرا لالتزامها بالتحقق من الأخبار قبل نشرها ورفضها الانخراط في موجة المعلومات الزائفة والمضللة.
وأوضح أن اليوم العالمي لحرية الصحافة يشكل تذكيرا سنويا بأهمية هذه المهنة في نقل الحقيقة للجمهور دون تضليل، وتعزيز حق المعرفة، ونشر الوعي من خلال محتوى مهني متوازن.
ونوه إلى أن كليات الإعلام تتحمل مسؤولية كبيرة في إعداد كوادر صحفية مؤهلة تمتلك المهارات اللازمة، وتلتزم بالمعايير المهنية الدقيقة لخدمة المجتمعات.
وأكد المومني، أن الصحافة تثبت عاما بعد عام دورها المحوري في مواجهة المعلومات الزائفة والمضللة، مشددا على ضرورة دعمها وتعزيز حضورها في مواجهة محاولات تهميشها أو تحويلها إلى ممارسات شعبوية على حساب الدقة والمصداقية.
من جهته، بين مراقب المحتوى الإعلامي في مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد)، التابع لمعهد الإعلام الأردني، الدكتور عبد السلام الخصيلات، أن هذا اليوم يعيد التأكيد سنويا على قاعدة أساسية مفادها أن الصحافة تنقل الواقع للجمهور دون تحيز أو إخلال بالتوازن، بما يضمن حق الجميع في المعرفة.
وأشار إلى أن الصحافة اليوم تواجه تحديات متزايدة، من أبرزها النشر غير المسؤول عبر العديد من المنصات، وما ينتج عنه من تداول أخبار مغلوطة ومعلومات غير موثوقة، إلى جانب تفشي ما يعرف بـ"وباء المعلومات" خلال السنوات الست الأخيرة.
وقال إن هذه المناسبة تؤكد أن الأردن يحرص، على كفالة العمل الصحفي المسؤول، من خلال مؤسسات إعلامية تلتزم بمواثيق الشرف الصحفي، بعيدا عن اغتيال الشخصية أو نشر الأخبار الكاذبة والإشاعات أو اللجوء إلى خطاب الكراهية.
وأظهرت دراسة حديثة صادرة عن معهد الإعلام الأردني أن جمهور المتلقين ما يزال يثق بالصحافة التقليدية الملتزمة بوصفها مصدرا موثوقا للمعلومات، وأنها تحتفظ بمكانة مهمة في المشهد الإعلامي، لا سيما عند البحث عن الأخبار المستندة إلى مصادر موثوقة.
وفي هذا السياق، تواصل وزارة الاتصال الحكومي جهودها في تعزيز التواصل مع وسائل الإعلام والصحفيين، بهدف تذليل العقبات التي قد تعيق تدفق المعلومات إلى الجمهور، كما أطلقت ملتقى التواصل الحكومي بوصفه منصة للحوار، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية متواصلة في مجال التربية الإعلامية والمعلوماتية، وإقرار الاستراتيجية الوطنية الثانية لنشر هذه الثقافة، بما يسهم في مواجهة التضليل والأخبار الزائفة وتعزيز الوعي لدى الجمهور.
بدورها، بينت المختصة في التشريعات الإعلامية والقانون، الدكتورة نهلا المومني، أن الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان شكلا المظلة التشريعية الأساسية التي انبثقت عنها الفلسفة التنظيمية للصحافة في الأردن، بما يكفل حريتها وتوازنها وممارستها ضمن إطار قانوني يضمن حقوق الجميع.
وأشارت إلى أن التشريعات الأردنية شهدت، في هذا السياق، نقلة نوعية في تنظيم مهنة الصحافة عبر ثلاثة مسارات محورية، تمثل المسار الأول في إلغاء العقوبات السالبة للحرية في كل من قانوني المطبوعات والنشر والإعلام المرئي والمسموع، حيث استبدلت عقوبة الحبس بالغرامات فقط، انسجاما مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المتعلقة بحرية الصحافة والإعلام، والتي تؤكد ضرورة الاكتفاء بالتعويض بدل العقوبات السالبة للحرية.
وأضافت أن المسار الثاني تمثل في تعزيز الحق في الحصول على المعلومات بوصفه ركيزة أساسية للعمل الإعلامي، إذ كفل قانون المطبوعات والنشر هذا الحق، وأكد ضرورة تمكين الصحفي من الوصول إلى المعلومات بأسرع وقت ممكن، كما جاء قانون ضمان الحق في الحصول على المعلومات وتعديلاته لعام 2024 لتوسيع نطاق هذا الحق، وتضييق الاستثناءات عليه، وتقليص مدة الاستجابة للطلبات، إلى جانب إعادة تشكيل مجلس المعلومات بما يعزز استقلاليته.
وبينت أن المسار الثالث شكل خطوة متقدمة لضمان انسياب المعلومات وتمكين الصحافة من أداء دورها، ويتمثل في إقرار مبدأ الإفصاح الاستباقي عن المعلومات، الذي يتيح الوصول إليها دون الحاجة لتقديم طلب رسمي، وهو ما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وأوضحت أن منتدى التواصل الحكومي، يعقد باستمرار لتقديم معلومات حول الشؤون العامة، يعد من أبرز التطبيقات العملية لهذا المبدأ، ويشكل خطوة مهمة نحو تعزيز مسيرة حرية الصحافة والإعلام في الأردن، من خلال توفير المعلومات بسلاسة، بما يمكن الإعلاميين من أداء دورهم في ضمان حق الجمهور في المعرفة