ليست البطولة أن تحمل رتبة عسكرية عالية، ولا أن تجلس خلف مكتب يحمل اسمك ومنصبك، بل البطولة الحقيقية أن تكون كبيراً بمواقفك، حاضراً عند الشدائد، قريباً من وجع الناس، وأن تدرك أن خلف كل شهيد أباً مكسور القلب، وأماً يعتصرها الألم، وأشقاء يحتاجون إلى من يقف إلى جانبهم بعد أن فقدوا سندهم.
حين قال رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللواء الركن مجدي الحراسيس، لوالد الشهيد: «بعد ما تخلص عزاءك، مكتبي مفتوح، تعال احكي معي، وأبشر.. أبشر»، لم تكن تلك مجرد كلمات مواساة عابرة، بل كانت موقفاً بحجم مؤسسة عسكرية، ورسالة وفاء تختصر معنى القيادة الحقيقية.
يا باشا، لقد أتعبت الأوفياء بموقفك، وأحرجت أصحاب المناصب الذين قد يكتفون بكلمات التعزية والمواساة، ثم يغادرون المشهد. أما أنت فقد اخترت أن يكون موقفك أكبر من البروتوكول، وأن تتحول كلماتك إلى وعد بالوقوف إلى جانب والد الشهيد وأشقائه ورعايتهم، وفاءً لمن قدّم أغلى ما يملك دفاعاً عن الأردن وأمنه واستقراره.
«أبشر.. أبشر» كلمتان تختصران شهامة الرجال، وتحملان في طياتهما طمأنينة أب، وعهد قائد، ورسالة إلى كل أسرة شهيد بأن أبناءها لم يكونوا وحدهم في ميادين الشرف، ولن تُترك أسرهم وحدها بعد رحيلهم. فدماء الشهداء أمانة في أعناقنا جميعاً، والوفاء لهم لا ينتهي بانتهاء مراسم التشييع.
اللواء الركن مجدي الحراسيس، خريج مدرسة جلالة الملك المعظم، مدرسة الانضباط والرجولة والولاء، قدّم صورة للقائد الذي يعرف أن قيمة الرتبة لا تصنعها النجوم على الكتفين وحدها، بل تصنعها المواقف التي تبقى في ذاكرة الناس. فالقيادة ليست سلطة، بل مسؤولية، وليست كلمات تُقال، بل أفعال تُترجم على أرض الواقع.
إن رعاية والد الشهيد وأشقائه ليست منّة من أحد، بل واجب وطني وأخلاقي تجاه أسرة قدّمت ابنها فداءً للوطن.
وهنا لا بد أن نؤكد أن هذه الروح الوفية هي امتداد لنهج القيادة الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي جعل رعاية رفاق السلاح وأسر الشهداء عنواناً للوفاء، وبمساندة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الذي يحمل رسالة الانتماء والعطاء ويجسد قرب القيادة من أبناء الوطن.
حفظ الله جلالة الملك وولي عهده الأمين، وحمى جيشنا العربي، ورحم شهداء الأردن.
شكراً باشا مجدي الحراسيس.. قلت كلمتين، لكنهما كانتا أكبر من ألف خطاب: أبشر.. أبشر. هكذا يكون الرجال، وهكذا تُصان تضحيات الشهداء.