بعد كل جريمة إرهابية، يبقى سؤال يتجاوز لحظة الغضب: ماذا نفعل حتى لا تتكرر؟ لقد ترك الاعتداء الإرهابي الذي شهدته عمّان وجعًا في نفوس الأردنيين، وأعاد التذكير بثمن يدفعه رجال الأمن دفاعًا عن حياتنا واستقرارنا. والوفاء لتضحياتهم يستدعي أن تتحوّل الإدانة إلى عمل مستمر، يحمي الإنسان ويواجه الفكر الذي يستبيح دمه.
«درهم وقاية خير من قنطار علاج»؛ حكمة نرددها في الصحة، وتستحق أن تكون قاعدة في حماية المجتمع. فالحزم الأمني وسيادة القانون تتكامل معهما تربية تبني الوعي، وخطاب ديني يفنّد التطرّف، وإعلام يكشف التضليل، وخدمات صحية واجتماعية تصل إلى الناس. وحماية الوطن مسؤولية تتسع لكل مؤسسة ولكل فرد.
قبل أن يصبح الفكر سلاحًا، كيف يكتسب العنف مشروعية في ذهن صاحبه؟ هنا ينبغي أن تبدأ الوقاية: بمواجهة الخطاب الذي يحوّل الاختلاف إلى عداوة، ويجرّد الآخر من إنسانيته، ويقدّم الاعتداء عليه بوصفه بطولة أو واجبًا. وهذه مواجهة تحتاج إلى حجة ومصداقية، وإلى تعليم ينمّي القدرة على السؤال والتحقق، والتمييز بين الرأي والتحريض، وبين الانتماء والتعصّب.
وتبدأ الوقاية في بيت يتّسع للحوار، ويجد فيه الأبناء من يستمع إلى أسئلتهم قبل أن يستغلّها دعاة الكراهية. وتمتد إلى مدرسة وجامعة تُمارسان العدل واحترام الاختلاف، وتواجهان التنمّر، وتؤهّلان المعلمين والمرشدين لإدارة النقاشات الحساسة. وتحتاج الأسرة، بدورها، إلى برامج توعية عملية وجهات موثوقة تلجأ إليها عندما تحتاج إلى المشورة والمساندة.
وعلى المؤسسات الدينية أن تصل إلى أسئلة الشباب ومنصاتهم بخطاب مؤهل، يرسّخ حرمة الدماء ويفنّد توظيف الدين لخدمة التكفير والعنف. ويتكامل معها إعلام مسؤول يكشف أساليب الاستقطاب والتلاعب، ويحفظ كرامة الضحايا، ويتجنب تحويل الجناة إلى أبطال أو إعادة نشر دعايتهم. فما يصل إلى هاتف شاب يستحق من الاهتمام بقدر ما يُقدَّم إليه في الصف والمنبر.
وللمركز الصحي دور في هذه المسؤولية؛ فهو قريب من الأسرة، ويتواصل معها في مراحل مختلفة من حياتها. ولعلّ ما أكدت عليه الجلسة النقاشية التي عقدها المجلس التمريضي الأردني بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، من ضرورة تفعيل دور التمريض في الصحة النفسية، يجد ترجمته العملية في توفير كوادر تمريضية متخصصة في الصحة النفسية ضمن مراكز الرعاية الصحية الأولية. فهذه الكوادر، بحكم قربها من الأفراد والأسر، تستطيع التعرّف المبكر إلى احتياجاتهم، وتقديم التوعية والدعم، وتيسير الإحالة إلى المختصين ومتابعة الرعاية؛ ليصبح طلب المساعدة متاحًا في الوقت المناسب، ضمن علاقة تحفظ الخصوصية والكرامة والثقة. وهذا دور وقائي وصحي، لا يفترض ارتباط المرض النفسي بالإرهاب ولا يجعل طلب الرعاية موضع شبهة.
ويحتاج الشباب أيضًا إلى فرص يشعرون معها بأن لهم قيمة ودورًا ومستقبلًا. وهنا تتكامل مسؤوليات المؤسسات التعليمية والاجتماعية والمراكز الشبابية والبلديات والقطاع الخاص، في إتاحة التعلّم والعمل والتطوع ومساحات التعبير الآمن. وإشراك الشباب في تصميم هذه البرامج يمنحها صلة حقيقية بحياتهم، دون اختزال التطرّف في الفقر أو تفسيره بعامل واحد.
ولا تتوقف الوقاية عند أبواب مراكز الإصلاح والتأهيل. فتنفيذ العقوبة ينبغي أن يصاحبه عمل إصلاحي منظّم مع من تبنّوا التطرّف العنيف، وحماية سائر النزلاء من الاستقطاب والتجنيد. ويتطلب ذلك برامج فردية تجمع الحوار والمراجعات الفكرية والدينية، والدورات التعليمية والمهنية، والدعم النفسي والاجتماعي، والأنشطة الثقافية والرياضية والعملية؛ بهدف تفكيك المبررات التي تسوّغ العنف وبناء بدائل للسلوك والانتماء.
وتقدّم تجارب مثل «مصالحة» في المغرب وبرامج التأهيل في سنغافورة وإنجلترا وويلز نماذج يمكن الاستفادة من آلياتها وتكييفها مع السياق الأردني. لكن حضور المحاضرات وإتمام الدورات لا يكفيان للحكم على نجاح التأهيل؛ فالمطلوب تقييم مهني للتقدّم في المواقف والسلوك وعوامل الخطورة، ومتابعة بعد الإفراج، ومساندة أسرية وفرص للتعلّم والعمل. فالعودة إلى المجتمع مرحلة أساسية في الإصلاح، تستحق التخطيط والرعاية بقدر ما تستحقهما فترة تنفيذ العقوبة.
ويبقى السؤال الذي يختبر جدية هذه الأدوار: إذا طلبت أسرة المساعدة، فهل تعرف إلى أين تتوجه؟ وإذا واجهت مدرسة تهديدًا، فهل تعرف كيف تتصرف؟ وإذا أحال مركز صحي حالة، فهل تُستكمل رعايتها؟ الإجابات الواضحة هي جوهر التشاركية: مسؤوليات محددة، وكوادر مؤهلة، وموارد مستدامة، ومسارات معلومة للمشورة والإحالة والمتابعة، واستجابة عاجلة من الجهات المختصة عند وجود خطر مباشر.
ولكي تصبح هذه الشراكة مؤثرة، ينبغي قياس نجاحها بوصول الناس إلى الدعم، وجودة الاستجابة، والتغيّر في السلوك، وتقليل تكرار الأذى. فقيمة البرامج تُعرف بما تُحدثه في حياة الناس، وتستمر مسؤوليتها بعد انتهاء الندوات وانحسار الاهتمام بالحادثة.
إن أمن الأردن مسؤولية وطنية تتكامل فيها قوة المؤسسات ووعي المجتمع، ويجمعها الولاء للقيادة الهاشمية، وسيادة القانون، ورفض الإرهاب والتحريض عليه دون تبرير. والوفاء للشهيد ورفاقه عهدٌ بأن يؤدي كلٌّ منا واجبه، في البيت والصف والمركز الصحي ومؤسسات المجتمع.
رحم الله شهيد الوطن، وشفى المصاب، وحفظ الأردن وقيادته الهاشمية وشعبه وجيشه العربي وأجهزته الأمنية. وليكن انتماؤنا عملًا يحمي أبناءنا، ويصون وحدتنا، ويواجه الفكر الإرهابي قبل أن يصبح سلاحًا.