على خلفية الحدثين الإرهابيين في الكرك وعمّان، لا يكفي التشخيص، ولا يكفي التنديد. فالدولة التي تواجه تهديداً حقيقياً، لا تحتاج إلى خطاب، بل تحتاج إلى خطة. خطة بمسارين متوازيين: مسار آني يعالج الخطر القائم، ومسار دائم يعالج الجذر الذي ينتج الخطر.
أولاً: الحلول الآنية ، تشمل حملة أمنية على أصحاب الأسبقيات والقيود الأمنية
المطلوب اليوم، وبشكل فوري، حملة أمنية شاملة، تستهدف أصحاب الأسبقيات والقيود الأمنية، من حملة الفكر المتطرف والإرهاب.
فالخطر لا يأتي من فراغ. فمن اعتنق الفكر المتطرف سابقاً، ومن ارتبط بتنظيمات إرهابية، ومن خضع لإجراءات قضائية أو أمنية سابقة، يبقى مصدر خطر محتمل، ما لم يخضع لمتابعة حقيقية، وتقييم مستمر لدرجة خطورته.
إن الحملة الأمنية المطلوبة، يجب أن تقوم على الأسس التالية:
1. القبض عليهم : القبض على من يثبت تورطه، أو استمرار نشاطه، أو ارتباطه بشبكات متطرفة، وفق الأصول القانونية، دون تهاون ودون تأجيل.
2. التوسع معهم في التحقيقات: فالتحقيق لا يجب أن يتوقف عند الفعل الظاهر، بل يجب أن يتوسع، للوقوف على علاقاتهم، وشبكاتهم، وتنظيماتهم، ومصادر تمويلهم، وطرق تواصلهم، وخلاياهم النائمة.
فالإرهابي الواحد، ليس فرداً معزولاً، بل هو عقدة في شبكة. وتفكيك الشبكة، أهم من القبض على العقدة.
3. إعادتهم للسجون: فمن ثبتت خطورته، ومن لم يثبت تأهيله، يجب أن يعود إلى السجن، وفق القانون، لحماية المجتمع، ومنع تحوله إلى قنبلة موقوتة في الشارع.
4. خضوعهم لبرنامج تأهيلي يضعه مختصون: فالسجن وحده لا يكفي. بل يجب أن يخضع هؤلاء لبرنامج تأهيلي حقيقي، يضعه مختصون في الشريعة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والأمن، يهدف إلى تفكيك الفكر المتطرف من جذوره، وإعادة بناء منظومتهم الفكرية على أسس صحيحة، وتقييم مدى استجابتهم، قبل السماح لهم بالعودة إلى المجتمع.
إن الحلول الآنية، هي التي تمنح الدولة السيطرة على الميدان، وتقطع الطريق على أي محاولة جديدة، وتبعث رسالة واضحة: أن الدولة ترى، وتعرف، وتتحرك.
ثانيا : الحلول الدائمة تفعيل الخطة الوطنية لمواجهة الفكر المتطرف
ولكن، الحملة الأمنية وحدها، مهما بلغت قوتها، تبقى علاجاً للأعراض، لا للمرض. فالفكر المتطرف لا يُهزم بالاعتقال فقط، بل يُهزم بالفكر، وبالوعي، وبالبناء.
ولذلك، فإن الحل الدائم، يكمن في تفعيل الخطة الوطنية لمواجهة الفكر المتطرف، تفعيلاً حقيقياً، لا شكلياً، ولا ورقياً.
وهذا التفعيل، يجب أن يقوم على شراكة حقيقية، تشارك فيها كافة وزارات ومؤسسات الدولة، كلٌ في مجال اختصاصه، ووفق خطة واضحة، وأدوار محددة، ومؤشرات قياس معلنة.
وتشمل هذه الشراكة :
المؤسسات الدينية ، لتقديم الخطاب الديني الوسطي المعتدل، وتفكيك الشبهات، ومواجهة الفتاوى الضالة، من على المنابر، وفي المساجد، وفي مراكز الوعظ.
المؤسسات التعليمية والجامعات ، لغرس قيم المواطنة، والانتماء، والتفكير النقدي، في المناهج، وفي الأنشطة، وفي الحوار داخل الغرف الصفية والمدرجات الجامعية، حتى لا يكون الشباب فريسة سهلة للاستقطاب.
المؤسسات الشبابية والثقافية والاجتماعية والنسائيه ، لأن الفكر المتطرف لا ينتشر في الفراغ، بل ينتشر في الفراغ الثقافي والاجتماعي. فحين يجد الشاب نادياً، ومركزاً ثقافياً، وفرصة عمل، ومساحة حوار، يصعب استقطابه. وحين تجد المرأة دورها في التوعية داخل الأسرة، تصبح خط الدفاع الأول داخل البيت.
ثالثاً : التقييم المستمر : شرط النجاح
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي خطة وطنية، هو أن تتحول إلى وثيقة تُكتب، ثم تُوضع على الرف.
ولذلك، يجب أن تخضع الخطة، ونتائجها، للتقييم المستمر، من قبل جهة مستقلة ومختصة، تقيس مدى التقدم، وتحدد نقاط الضعف، وتقترح التعديلات اللازمة، وترفع تقارير دورية إلى متخذي القرار.
فالخطة التي لا تُقيّم، هي خطة لا تتطور. والخطة التي لا تتطور، هي خطة محكوم عليها بالفشل.
الخلاصة :
المطلوب اليوم، هو الجمع بين الحزم والبناء. الحزم في الحلول الآنية، من خلال حملة أمنية على أصحاب الأسبقيات، والقبض عليهم، والتوسع معهم في التحقيقات، وتفكيك شبكاتهم، وإعادتهم للسجون، وإخضاعهم لبرنامج تأهيلي يضعه مختصون.
والبناء في الحلول الدائمة، من خلال تفعيل حقيقي للخطة الوطنية لمواجهة الفكر المتطرف، بشراكة كافة مؤسسات الدولة، والمؤسسات الدينية والتعليمية والجامعية والشبابية والثقافية والاجتماعية والنسائية، مع تقييم مستمر للخطة والنتائج.
بهذا فقط، ننتقل من رد الفعل، إلى الفعل الاستباقي. ومن معالجة الحدث، إلى منع وقوعه.