الشاعرة السعودية مها العتيبي: الشعر العربي يعيش مرحلة تحولات لا تراجع
عمان – أكدت الشاعرة السعودية الدكتورة مها العتيبي أن الشعر العربي يعيش مرحلة من التحولات وليس التراجع، في ظل تغير وسائل حضوره وتعدد تجاربه، مشيرة إلى أن القصيدة، رغم أنها لم تعد تحتل موقعها السابق، ما تزال قادرة على التأثير في الوجدان الإنساني وإيقاظ الوعي والانتصار للجمال والقيم الإنسانية.
جاء ذلك خلال أمسية شعرية نظمتها جمعية نهر اليرموك للتنمية الثقافية، بالتعاون مع مؤسسة عبد الحميد شومان، في مكتبة المؤسسة بجبل عمّان، وأدارها الاستاذ محمود الشبول، وسط حضور نوعي من الأدباء والشعراء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي، تخللتها قراءات شعرية وحوار تناول مسيرة العتيبي الإبداعية وتحولات المشهد الشعري العربي.
وقالت العتيبي، خلال الحوار، إن الشعر الحقيقي لا يقاس بعدد متلقيه، وإنما بعمق أثره في الوجدان، معتبرة أن التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي العربي لا تعني انحسار دور القصيدة، بقدر ما تعكس تغير أنماط تلقيها ووسائل وصولها إلى الجمهور.
وأضافت أن القصيدة ما تزال تمتلك القدرة على إيقاظ الوعي والتعبير عن القيم الإنسانية، مؤكدة أن "الشعر قد لا يغيّر العالم، لكنه يستطيع أن يغيّر نظرتنا إليه" .
البدايات الشعرية وتحولات التجربة
واستعادت العتيبي خلال الأمسية بدايات علاقتها بالشعر، موضحة أن انجذابها إلى الكلمة بدأ منذ سن مبكرة، حين استهوتها الدهشة والموسيقى والإيقاع في النصوص الشعرية، قبل أن تنتقل تدريجيًا من تلقي الشعر إلى كتابته، ليصبح وسيلتها في تأمل العالم والتعبير عن الذات.
وأشارت إلى أن ارتباطها بالقصيدة لم يكن نتيجة لحظة فاصلة، بل جاء عبر تجربة تراكمية اكتشفت خلالها أن الكتابة لا تقتصر على التعبير عن المشاعر، وإنما تساعد أيضًا على فهمها واستكشاف أبعادها الإنسانية.
وتناول الحوار مسيرتها الأدبية التي امتدت عبر عدد من الإصدارات الشعرية، من بينها "نقوش على مرايا الذاكرة" و"تشرين والحب والأغنيات" و"شغف"و"مدار العاشقين"، وصولًا إلى ديوانها "علّل الصبّ"الصادر عام 2026، إلى جانب تجربتها في النقد الأدبي والكتابة الإبداعية.
وفي حديثها عن الجوائز الأدبية، أكدت العتيبي أن فوزها مرتين بجائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية شكّل محطتين مهمتين في مسيرتها، لا سيما أن كل فوز جاء في مرحلة مختلفة من تجربتها الشعرية.
وقالت إن الجائزة تمثل لحظة مضيئة في حياة الشاعر، لأنها تمنحه شعورًا بوصول صوته إلى قارئ آخر يقدّر تجربته، لكنها في الوقت ذاته تضعه أمام مسؤولية المحافظة على صدق التجربة وعمقها وتفردها.
وشمل الحوار عددًا من القضايا المرتبطة بالمشهد الثقافي الأردني والعربي، من بينها واقع النقد الأدبي ومدى مواكبته للتحولات التي تشهدها القصيدة المعاصرة، وحضور المرأة في المشهد الشعري، إلى جانب تأثير التطور التكنولوجي والمنصات الرقمية في نشر الشعر وتوسيع دائرة تلقيه.
كما أتاح اللقاء مساحة للنقاش حول العلاقة بين الشاعر وجمهوره، وأهمية اللقاءات الثقافية المباشرة في تعزيز التواصل بين التجارب الإبداعية العربية، وإثراء الحوار حول قضايا الأدب والثقافة.
قراءات شعرية بين الوجدان والحنين
وتخللت الأمسية قراءات شعرية قدمت خلالها العتيبي مجموعة من قصائدها التي تنوعت موضوعاتها بين الحب والحنين والمرأة والوجدان الإنساني، وعكست جوانب من تجربتها في توظيف الصورة الشعرية والإيقاع للتعبير عن المشاعر والتأملات الذاتية.
ومن قصيدتها "وجدٌ من صبا نجد"، قرأت:
"أتيتُ ومن صبا نجدٍ بوجدي
هبوبًا عاطرًا في ليلِ قطرِ
لأرسمَ فيه آهاتِ الحيارى
وأنفثَ فيه أحلامي وصبري"
كما قدمت مقاطع من قصيدتها "واقتفي شوق البلاد"، التي تستحضر مشاعر البحث والحنين وما تتركه التجارب الإنسانية من أثر في النفس، إلى جانب قصيدة "المستحيل الذي أعيا بناياتي"، التي تتناول الشوق والغياب بلغة وجدانية.
وحضرت المرأة والأم في جانب من القراءات الشعرية، إذ تناولت العتيبي في أحد نصوصها عمق التجربة الإنسانية للمرأة، وما تمثله الأم من رمزية للحياة والعطاء والوجود.
وأضفت القراءات الشعرية على اللقاء طابعًا وجدانيًا، إذ جمعت بين الحوار الفكري والاستماع المباشر إلى النصوص، بما أتاح للحضور التعرف إلى جوانب مختلفة من التجربة الإبداعية للشاعرة السعودية.
تكريم للمبدعين وفريق منصة سرى الثقافية
وفي ختام الأمسية، جرى تكريم الشاعرة الدكتورة مها العتيبي ومؤسسة عبدالحميد شومان وعدد من المشاركين والمساهمين في العمل الثقافي، إلى جانب فريق منصة سرى الثقافية، تقديرًا لجهودهم في خدمة الأدب والفنون وتعزيز التواصل بين المبدعين.
وشارك في تقديم التكريمات الدكتور صبري الشبول، ورئيس جمعية نهر اليرموك للتنمية الثقافية الأستاذ محمود الكفيري، ورجل الأعمال الأستاذ محمد عليان.
وشمل التكريم عددًا من أعضاء هيئة تحرير منصة سرى الثقافية، وهم الفنانة التشكيلية إيمان السعودي، مصممة ومخرجة المجلة، والإعلامية بيان مقبل، والأستاذة فدوى نجم، والكاتبة والسيناريست رضوى رضا، والكاتبة الصحفية سهام فودة، والشاعرة مروى قره جه، إلى جانب مقدم الأمسية محمود الشبول.
وجاء التكريم تقديرًا للجهود التي يبذلها فريق المنصة في تقديم محتوى ثقافي وأدبي وفني متنوع، وإتاحة مساحة للمبدعين من الأردن ومختلف أنحاء الوطن العربي، من خلال المجلة الثقافية وما تتضمنه من نصوص شعرية وقصصية ومقالات وحوارات وفنون تشكيلية.
وتشكل منصة سرى الثقافية، التي انطلقت عام 2024، مبادرة ثقافية مستقلة تسعى إلى تعزيز حضور الإبداع العربي، وإبراز التجارب الأدبية والفنية، ومد جسور التواصل بين الكتاب والفنانين والمثقفين.
وعكست الأمسية أهمية التعاون بين المؤسسات والجمعيات الثقافية في تنظيم اللقاءات الأدبية، وإتاحة المجال أمام الجمهور للتفاعل المباشر مع المبدعين، بما يسهم في تنشيط الحراك الثقافي الأردني وتعزيز التواصل بين التجارب الشعرية في الأردن والعالم العربي.