في كيب تاون، المدينة التي شهدت سقوط واحد من أبشع أنظمة التمييز العنصري في التاريخ، واحتضنت إرث الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، لم يكن حضور جلالة الملكة رانيا العبدالله في قمة «عالم شاب واحد» حضوراً بروتوكولياً عابراً، بل كان صوتاً أردنياً يحمل رسالة إنسانية وسياسية وأخلاقية، يضع العالم أمام مرآة مواقفه، ويواجه صمتاً دولياً لم يعد مقبولاً أمام مشاهد الظلم والمعاناة.
من بلدة حمود في محافظة الكرك، بدأت جلالتها رسالتها، مستحضرةً الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الكنيسة، في جريمة لم تستهدف مكاناً للعبادة وحده، بل حاولت المساس بالنسيج الوطني الأردني وبقيم التآخي التي تشكل أساس الدولة والمجتمع. غير أن الأردن، بقيادته الهاشمية ووعي شعبه، أثبت أن وحدته ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل حقيقة راسخة لا تستطيع قوى الإرهاب والكراهية اختراقها. فالمسلم والمسيحي في هذا الوطن شريكان في التاريخ والمصير، تجمعهما راية واحدة وهوية وطنية لا تقبل التجزئة.
ومن وجع حمود، انتقلت الرسالة إلى الجرح الفلسطيني، لتصبح كيب تاون منصة لمساءلة الضمير العالمي. وهنا تتجلى رمزية المكان وقوة الخطاب؛ ففي مدينة انتصرت فيها إرادة الحرية على نظام الفصل العنصري، يصبح الصمت أمام معاناة الشعب الفلسطيني سؤالاً أخلاقياً لا يمكن تجاوزه. كيف يحتفي العالم بإرث مانديلا، ثم يتردد في الدفاع عن المبادئ ذاتها عندما يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين؟ وكيف تصبح الحرية قيمة عالمية في الخطابات، لكنها تخضع للحسابات السياسية عندما يحتاجها أصحاب الحق؟
لقد وضعت الملكة رانيا قضية ازدواجية المعايير في صلب النقاش، مؤكدةً أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن العدالة لا يجوز أن تكون انتقائية، وأن الكلمات التي تبرر الظلم أو تحجب الحقيقة تمهد الطريق أمام الكراهية والتطرف. فالمأساة لا تصبح أقل وجعاً بتجاهلها، والحقوق لا تسقط بتغير موازين المصالح، والإنسان لا يفقد حقه في الحياة والحرية لأن العالم اختار الصمت.
كما حمل الخطاب رسالة مباشرة إلى الشباب، باعتبارهم قوة التغيير وصناع المستقبل، ودعاهم إلى امتلاك الوعي والشجاعة، ومواجهة التضليل، وعدم الوقوف متفرجين أمام انتهاك الحقوق الإنسانية.
إن خطاب كيب تاون يجسد ثوابت الأردن بقيادته الهاشمية: وطنٌ يحمي وحدته، ويدافع عن كرامة الإنسان، ويتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
من حمود إلى فلسطين، ومن ذاكرة مانديلا إلى ضمير الأجيال الجديدة، كانت الرسالة واضحة: لا سلام بلا عدالة، ولا حرية بانتقائية، ولا كرامة إنسانية في عالم يكيل الحقوق بمكيالين. لقد ارتفع صوت الأردن، لأن الحق لا يحتاج إلى قوة الصوت بقدر ما يحتاج إلى شجاعة الموقف.