رئيس الغرفة البلغارية الاردنية للتعاون الاقتصادي .
لم تعد دعوات الحكومات في الدول الكبرى من بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى دول الشمال الأوروبي السويد والنرويج والولايات المتحدة للمواطنين بتخزين الطعام والمياه ومستلزمات الطوارئ لمدة لا تقل عن 7 أيام سبعة أيام إلى 14 يوماً أربعة عشر يوماً مجرد إرشادات روتينية بل تحولت إلى ظاهرة سياسية واقتصادية تثير الكثير من التساؤلات والهلع فهذا التحول المفاجئ يعكس قلقاً عميقاً لدى صناع القرار إزاء هشاشة النظام العالمي الحالي ويكشف عن تحولات جذرية في مفهوم الأمن القومي الذي بات يلامس التفاصيل اليومية لحياة المواطن البسيط في ظل مؤشرات دولية تفيد بأن نحو 266000000 مئتين وستة وستين مليون شخص حول العالم يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي والجوع وفقاً للتقارير الأممية والدولية
أولاً قراءة في دوافع التهويل والتخزين الاستراتيجي إن لجوء الدول المتقدمة لتشجيع سياسات الاستعداد الذاتي وتخزين المؤن لفترات تتراوح بين عدة أيام إلى أسابيع لا يهدف بالضرورة إلى إثارة الذعر بقدر ما يعبر عن إقرار رسمي بتآكل اليقين وتبرز أبرز الدوافع فيما يلي انهيار الوهم المطلق لسلاسل الإمداد لعقود طويلة اعتمد العالم الغربي على العولمة التجارية وسلاسل التوريد العابرة للحدود قادماً من قناعة بأن السوق المفتوحة قادرة على توفير السلع بكفاءة اليوم أثبتت الأزمات المتتالية أن هذه السلاسل هشة للغاية وأسرع عرضة للقطع في حال حدوث أي توترات كبرى والاستعداد لصدمات المناخ والطاقة تتزايد الظواهر الجوية المتطرفة والكوارث الطبيعية التي باتت تعطل البنى التحتية الأساسية وشبكات الكهرباء والمياه لأيام متواصلة مما يحتم وجود حد أدنى من الاكتفاء الذاتي المؤقت للمنازل بحد أدنى 20 ليتراً عشرين ليتراً من المياه لكل شخص وعسكرة الاقتصاد والتوترات الجيوسياسية ألقت الحروب المستمرة والنزاعات الإقليمية بظلالها الكثيفة على أسواق الطاقة والغذاء والأسمدة مما دفع الحكومات لرفع درجة التأهب القصوى تحسباً لأي طارئ كارثي مفاجئ
ثانياً مرتكزات تدهور الأوضاع في أوروبا والعالم والملفات الساخنة إن التحذيرات الخاصة بالمؤن ليست سوى قمة الجبل الظاهرة لأزمة أعمق فالتدهور المستمر في الأوضاع بأوروبا والعالم يرتكز على عدة محاور هيكلية وضغوط متصاعدة الأزمة الاقتصادية وارتفاع التضخم والمديونية تعاني القارة الأوروبية من ضغوط معيشية خانقة حيث سجل معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو مستويات بلغت نحو 3.8% ثلاثة وثمانية من عشرة بالمئة بالتزامن مع ارتفاع الدين العام الإجمالي لمنطقة اليورو ليقترب من 90% تسعين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في حين تتجاوز نسبة دين بعض الدول الكبرى مثل فرنسا 119% مئة وتسعة عشر بالمئة مما يضغط بشدة على النمو والإنفاق الاجتماعي ويؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وتآكل الطبقة الوسطى وتداعيات الحرب في أوكرانيا المستمرة منذ عام 2022 ألفين واثنين وعشرين والتي أدت إلى استنزاف هائل في المخزونات العسكرية والمالية الأوروبية ودخلت عامها الخامس 5 محدثة تحولات استراتيجية عميقة في استنزاف موازنات الدفاع وتغيير الخريطة الأمنية للشرق الأوروبي بالكامل فضلاً عن قطع إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة وتبعات التهديدات بالضربة النووية والضربات العسكرية المتصاعدة على إيران وعلى منشآتها والمخاوف الدولية من التصعيد النووي وتداعيات انسداد الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب والتي تعطل نسبة تصل إلى 20% عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية وتدفع بأسعار الطاقة والمؤن إلى أرقام قياسية غير مسبوقة والصدمات المتلاحقة التي شكلت ضربة قاصمة للصناعات الأوروبية التي باتت تعاني من ارتفاع التكاليف وفقدان القدرة التنافسية أمام قوى صاعدة والاهتزاز الاجتماعي والاحتجاجات الواسعة حيث أدت سياسات تقليص الإنفاق الاجتماعي وزيادة مخصصات الدفاع والأمن على حساب خدمات المواطنين إلى موجات عارمة من الاحتجاجات العمالية والطلابية في دول كبرى مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا مما يعكس تصدعاً في الاستقرار المجتمعي الداخلي وتراجع الوزن الجيوسياسي وصعود قوى بديلة حيث يشهد النظام الدولي مخاضاً عسيراً يتمثل في تراجع الهيمنة الاقتصادية التقليدية للغرب مقابل صعود تكتلات ناشئة مثل مجموعة بريكس فضلاً عن التصدعات داخل التحالفات الغربية نفسها واختلاف المصالح الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأوروبا
خاتمة ودلالات مستقبلية إن طلب الدول الكبرى من شعوبها تخزين الطعام والمياه وتوزيع أدلة الطوارئ التي تحتوي تعليماًٍ للمواطنين حول كيفية الوقاية من المخاطر النووية والإشعاعية يعيد إلى الأذهان ذاكرة الجوع والحروب القديمة التي ظن العالم المتمدن أنه تجاوزها للأبد والدلالة الأهم هنا هي أن عصر الرفاهية المطلقة والاستقرار الدائم قد يفسح المجال تدريجياً لعصر اقتصاد الطوارئ حيث لم يعد الأمن القومي محصوراً في الحدود العسكرية والدفاعية بل امتد لداخل المطبخ المنزلي ومخازن الحبوب الاستراتيجية في إشارة واضحة إلى أن العالم يخطو بخطى متسارعة نحو مرحلة عالية المخاطر والغموض تتطلب أعلى درجات اليقظة والجاهزية للبقاء.