سلّطت مشاركة حكمت حاجييف، مساعد رئيس جمهورية أذربيجان ورئيس دائرة شؤون السياسة الخارجية في الإدارة الرئاسية، في المنتدى العربي للإعلام وقمة الإعلام العربي بدولة الإمارات العربية المتحدة الضوء على أبرز أولويات السياسة الخارجية الأذربيجانية، وفي مقدمتها تعزيز السلام الإقليمي، وترسيخ الحوار بين الثقافات، وتطوير الشراكات الاستراتيجية، وصون التراث الثقافي.
وخلال جلسة رفيعة المستوى عُقدت في دبي بمشاركة وزير خارجية جورجيا ووزير الاقتصاد والسياحة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وأدارها الرئيس التنفيذي لشبكة «يورونيوز»، استعرض حاجييف رؤية أذربيجان للتعاون الإقليمي وهويتها الجيوسياسية المتعددة الأبعاد. وأكد أن بلاده تواصل تعزيز مكانتها بوصفها دولة ترتبط في آن واحد بجنوب القوقاز ومنطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى والعالم الإسلامي الأوسع والشرق الأوسط.
وشكّل التعاون الأذربيجاني–الإماراتي أحد المحاور الرئيسية في مداخلات حاجييف، حيث وصف البلدين بأنهما شريكان استراتيجيان يتقاسمان الرؤى ذاتها تجاه قضايا التنمية والأمن والاستقرار الإقليمي. وأشار إلى أنه رغم البعد الجغرافي بين باكو وأبوظبي، فإن البلدين يتبنيان مقاربات متقاربة إزاء العديد من القضايا الإقليمية والدولية، مؤكداً أن هذا التعاون لا يقتصر على تطوير العلاقات الثنائية فحسب، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن والاستقرار على امتداد مساحة جغرافية أوسع تمتد من جنوب القوقاز إلى الشرق الأوسط.
كما تطرق مساعد الرئيس الأذربيجاني إلى الأبعاد التاريخية والثقافية لهوية بلاده، مسلطاً الضوء على مملكة ألبانيا القوقازية القديمة وإرثها المسيحي الغني. وأوضح أن آثار هذا الإرث ما تزال حاضرة بشكل واضح في قره باغ ومناطق أخرى من أذربيجان، مؤكداً في الوقت ذاته أن التعددية الثقافية والتعايش الديني يشكلان جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية الأذربيجانية. وشدد على التزام بلاده بحماية وصون وترميم المعالم الدينية والثقافية بغض النظر عن أصولها أو انتمائها الديني.
وفي سياق حديثه عن مرحلة النزاع، أشار حاجييف إلى ما تعرض له التراث الديني والثقافي الأذربيجاني من تدمير وتدنيس وتغيير خلال سنوات الاحتلال، مؤكداً أهمية الحفاظ على الحقيقة التاريخية وضمان نقل هذا التراث إلى الأجيال المقبلة. كما جدد التأكيد على التزام أذربيجان بالحفاظ على المواقع المسيحية الواقعة على أراضيها السيادية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من تاريخ البلاد وإرثها الثقافي.
وخلال مشاركته في منتدى «يورونيوز» والحوارات الإعلامية المصاحبة له، تناول حاجييف عملية السلام الجارية بين أذربيجان وأرمينيا، واصفاً تحقيق السلام الدائم بأنه مسار يتطلب إرادة سياسية وجهوداً متواصلة من جميع الأطراف. وأكد أن بناء السلام لا يقتصر على الاتفاقات السياسية فحسب، بل يستوجب أيضاً تهيئة المجتمعات للتعايش والمصالحة وتعزيز الدعم الشعبي لأجندة إقليمية تتطلع إلى المستقبل.
كما استعرض حاجييف النموذج الأذربيجاني في التعايش الديني، مشيراً إلى أن الإسلام والمسيحية واليهودية تتعايش في البلاد جنباً إلى جنب، حيث تقف المساجد والكنائس والمعابد اليهودية شاهداً على هذا التنوع. وأوضح أن أذربيجان ترتبط تاريخياً بعدد من الحضارات والتقاليد الدينية، بما في ذلك الزرادشتية والمسيحية والإسلام، معتبراً هذا الإرث قاعدة للحوار والتفاهم في عالم يشهد قدراً متزايداً من الاستقطاب.
وتناول المسؤول الأذربيجاني كذلك قضايا التعاون الإقليمي والدولي، مشيراً إلى مساهمة بلاده في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي من خلال صادرات الغاز الطبيعي، وإلى الأهمية الاستراتيجية لمشروعات الربط الإقليمي، وعلى رأسها «الممر الأوسط»، الذي يرسخ مكانته باعتباره أحد أهم مسارات الربط بين أوروبا وآسيا. وأكد أن هذه المبادرات تفتح آفاقاً جديدة للشراكة والتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وفي معرض حديثه عن التفاعل الدولي مع منطقة جنوب القوقاز، شدد حاجييف على أهمية تبني مقاربات متوازنة تراعي مصالح جميع دول المنطقة، معتبراً أن السياسات الخارجية الفاعلة ينبغي أن تشجع التعاون والشراكات الجديدة وأن تسهم في تقريب وجهات النظر بدلاً من خلق خطوط انقسام جديدة.
وقد وفر المنتدى العربي للإعلام منصة مهمة لمناقشة هذه القضايا في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم. ومن خلال مشاركته في المنتدى وحوارات «يورونيوز»، قدّم حاجييف أذربيجان بوصفها دولة تجمع بين عمقها التاريخي وتنوعها الحضاري من جهة، ورؤيتها المستقبلية القائمة على السلام والترابط الإقليمي وصون التراث وتعزيز التعاون الدولي البنّاء من جهة أخرى.
وجاءت الرسالة الأساسية التي حملها المسؤول الأذربيجاني واضحة ومتسقة طوال فعاليات المنتدى: أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحوار، وأن حماية التراث الثقافي مسؤولية مشتركة، وأن الشراكات الفاعلة بين الدول قادرة على الإسهام في ترسيخ الأمن والسلام والتنمية المستدامة في المنطقة بأسرها.