نيروز الإخبارية- كتب رئيس التحرير المسؤول محمد أبو طبنجة
ناشد المستشار الجيوتقني وعضو مجلس شعبة الهندسة الجيولوجية والتعدين في نقابة المهندسين الأردنيين المهندس محمد طبنجة، الجهات المعنية مواصلة جهودها والاستفادة من دروس الشتاء الماضي، وإعادة النظر في بعض أسس تصميم الطرق والجسور والمباني والمنشآت والبنية التحتية بشكل عام بما يتلاءم مع المتغيرات المناخية والتطرف المطري والاحتراري، داعياً إلى اعتماد نهج استباقي ودائم للوقاية من مخاطر السيول والانهيارات والجفاف ، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الأضرار بعد وقوعها.
وأكد طبنجة أن الاستعداد للشتاء المقبل يجب أن يقوم على منظومة دائمة للوقاية وإدارة المخاطر، والبناء على الإجراءات الوطنية القائمة، خصوصاً بعد ما شهده الأردن خلال الشتاء الماضي من سيول جارفة وانجرافات وأضرار طالت التربة والمنحدرات وطرقاً ومنشآت في عدد من المواقع في مناطق مختلفة من المملكة.
وقال إن التساؤل حول مدى جاهزيتنا للشتاء المقبل والاستفادة من دروس الشتاء الماضي لا يأتي من باب التقليل من الجهود المبذولة، وإنما بهدف الى تعزيزها وتطويرها، والوصول إلى أعلى مستويات السلامة الممكنة، بما يضمن التعامل مع المخاطر قبل وقوعها والحد من آثارها.
وأشار طبنجة إلى جهود نقابة المهندسين الأردنيين في تطوير السياسات والاختصاصات المهنية وبناء القدرات الفنية، والتعامل مع البنية التحتية باعتبارها أصولاً اقتصادية تحتاج إلى الصيانة الوقائية وإدارة المخاطر، إلى جانب تعزيز التدقيق البيئي والهندسي والتكيف المناخي وتطبيق الحلول المستدامة للسيول والفيضانات.
واستعرض الإجراءات التي أعلنت عنها وزارة الأشغال العامة والإسكان لمعالجة عشرات المواقع المتضررة، وإجراء الدراسات الهيدرولوجية والهيدروليكية لتقييم منشآت تصريف مياه الأمطار والجسور واستقرار المنحدرات، إلى جانب تحديث البيانات المطرية والتصاميم الهندسية، والتوجه لإنشاء مركز للسيطرة ومراقبة الطرق والجسور وتحديد المناطق الأكثر تعرضاً للفيضانات.
وبيّن أن هذه الإجراءات تمثل اتجاهاً إيجابياً يستحق التقدير، داعياً إلى البناء عليها وتحويلها إلى قاعدة لمنظومة مستدامة لا تكتفي بإصلاح الأضرار، وإنما تتجه إلى دراسة أسبابها ومنع تكرارها.
ولفت طبنجة إلى أن التغير المناخي لا يرتبط هطولياً بزيادة كميات الأمطار السنوية فقط، وإنما أيضاً بارتفاع احتمالية هطول كميات كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة، الأمر الذي يرفع سرعة الجريان السطحي مما يضع شبكات التصريف والمنشآت أمام أحمال مائية قد تتجاوز في بعض الحالات ما صُممت لاستيعابه.
وأوضح أن هذه المتغيرات تستدعي إعادة النظر في بعض الأسس التصميمية التقليدية، والانتقال إلى مفاهيم هندسية تراعي واقع التغير المناخي في مجالات الهندسة الجيوتقنية والهيدرولوجية والهيدروليكية والإنشائية، بحيث تصبح الوقاية والاستباق جزءاً أساسياً من التصميم والتخطيط والتنفيذ.
خريطة وطنية للمخاطر
وفي إطار الإجراءات العملية، دعا طبنجة إلى إعداد قاعدة وطنية متكاملة للمخاطر، تبدأ بتحديد المواقع الساخنة والمناطق التي تعرضت للضرر سابقاً، وتصنيفها وفق مستويات الخطورة، وإجراء المسوحات الجيوهندسية للمنحدرات والمناطق المعرضة للانهيارات والانزلاقات.
وشدد على أهمية توثيق أسباب الفشل قبل البدء بالمعالجة، وإدراج النتائج ضمن قواعد بيانات وخرائط وطنية لمناطق السيول والفيضانات والأودية النشطة، بحيث تصبح هذه المعلومات مرجعاً أساسياً في إعداد التقارير الجيوتقنية وفحوص التربة والتصاميم الهندسية وأعمال التخطيط والتنظيم.
وأكد أن وجود خريطة وطنية للمخاطر من شأنه مساعدة الجهات المختصة على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن مسارات الطرق ومواقع المنشآت والتجمعات العمرانية، وتحديد الأولويات في أعمال الصيانة والحماية قبل وقوع الأضرار.
غرفة عمليات دائمة وإدارة موحدة للمخاطر
كما ناشد طبنجة بتوحيد الاستجابة المؤسسية للمخاطر من خلال إيجاد او تطوير غرفة عمليات وطوارئ دائمة تضم الجهات ذات العلاقة، وفي مقدمتها الأشغال العامة والإدارة المحلية والمياه والبيئة والبلديات والأرصاد الجوية والدفاع المدني ونقابة المهندسين والمقاولين، بما يتيح الانتقال السريع من مرحلة رصد البيانات والتحذيرات إلى اتخاذ القرارات والإجراءات الميدانية.
وأشار إلى أن الإدارة الفاعلة للمخاطر لا تقتصر على التعامل مع الحالة الطارئة، وإنما تشمل المراقبة المستمرة للمواقع الحرجة، وتحديث خرائط المخاطر، وإجراء الفحوص والصيانة الدورية للمنشآت، ووضع خطط واضحة للتدخل والصيانة والحماية.
رفع كفاءة البنية التحتية
وشدد طبنجة على ضرورة رفع كفاءة البنية التحتية من خلال الفحص الدوري للعبارات والجسور، وتنفيذ المصاطب والمصدات المائية وفق الدراسات الهندسية، والحد من نخر وانجراف التربة، ومعالجة مجاري السيول وتوسعتها ، إلى جانب استخدام الحلول الهندسية المناسبة لتقليل سرعة التيارات المائية والحد من تأثيرها على الطرق والمنشآت.
وأكد أن المعالجة المستدامة تتطلب النظر إلى الموقع بصورة متكاملة، وعدم الاكتفاء بإصلاح الجزء المتضرر، بل دراسة مسار المياه وطبيعة التربة والمنحدرات الأرضية والمنشآت الواقعة ضمن نطاق التأثير، لضمان معالجة الأسباب وليس النتائج فقط.
تنظيم العمران وحماية مجاري السيول
وفي محور الوقاية العمرانية والمجتمعية، حذر طبنجة من البناء غير المنظم بالقرب من مجاري السيول وأسفل المنحدرات الحرجة، ومن تضييق الأودية أو التعدي على مسارات المياه، لما لذلك من آثار في زيادة سرعة الجريان وارتفاع منسوب المياه وتهديد أساسات المباني والمنشآت.
ودعا إلى تنظيم البناء تدريجياً في المناطق ذات الخطورة المرتفعة، وتعزيز الرقابة على التعديات، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر السيول، وربط خطط الطوارئ والإنذار المبكر بإجراءات استجابة واضحة وسريعة، بحيث يعرف كل طرف دوره ومسؤوليته عند صدور التحذيرات.
من ردّات الفعل إلى الاستعداد المسبق
وأكد طبنجة أن التغير المناخي أصبح قضية عالمية وبالتالي مسألة وطنية متداخلة تتطلب تنسيقاً دائماً بين مختلف المؤسسات والقطاعات، مشيداً بالجهود التي تبذلها وزارة الاشغال العامة والاسكان ، والادارة المحلية والبيئة ، ونقابة المهندسين الاردنيين واللجنة الوطنية للتغير المناخي في تعزيز هذا التنسيق، وداعياً إلى تطوير الجهود القائمة ضمن منظومة وطنية مستدامة لإدارة المخاطر المناخية.
واختتم طبنجة بالتأكيد على أنه لا يدعو إلى التهويل ،ولا الى التشكيك في الجهود المبذولة، وإنما إلى مزيد من الاستعداد والاستباق، قائلاً: «لا ننتظر إطلاق النداءات والصافرات التحذيرية كي نتحرك؛ فالاستعداد المسبق يخفض درجة الإرباك ويمنع التحرك بعشوائية. ولكي لا نُلدغ من ذات الجحر مرتين، علينا أن نغلق منافذ الخطر، ونأخذ بالأسباب، ثم نتوكل على الله»