في منطقتنا العربية، لا تكمن الخطورة دائمًا في الشعارات التي تُرفع، بل في المشاريع التي تقف خلفها، وفي النتائج التي تصنعها على الأرض.
فالشعارات قد تختلف، والرايات قد تتباين، واللغة السياسية والدينية قد تبدو متناقضة، لكن المعيار الحقيقي ليس ما يقوله أصحاب المشاريع عن أنفسهم، وإنما ما يفعلونه، وإلى أين يقودون المنطقة، وما الذي يحدث للأرض العربية تحت أقدام مشاريعهم.
ومن هنا تبرز أمامنا صورة تستحق التأمل: مشروع صهيوني يتكئ على سردية دينية وتاريخية لتبرير التوسع، ومشروع إيراني يتكئ على خطاب ديني ومذهبي وثوري لتوسيع النفوذ والتمدد.
قد يبدو المشروعان مختلفين في الشكل، لكنهما يلتقيان في نقطة شديدة الخطورة: تحويل المنطقة العربية إلى مجال مفتوح لمشاريع غير عربية، وجعل الأرض العربية ومقدراتها وأمنها وسيادتها جزءًا من حسابات الآخرين.
حين يتحول الدين إلى غطاء سياسي
المشكلة ليست في الدين.
الدين بالنسبة إلى ملايين البشر عقيدة وإيمان وضمير وأخلاق، ولا يجوز اختزاله في صراع سياسي أو تحميل أتباعه جميعًا مسؤولية سياسات دولة أو مشروع سياسي.
المشكلة تبدأ عندما تتحول المقدسات إلى أدوات سياسية، وعندما يصبح النص الديني وسيلة لتبرير التوسع، أو عندما يُستدعى التاريخ والمذهب لتقديم مشروع سياسي باعتباره قدرًا لا يمكن مناقشته أو الاعتراض عليه.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل الأرض تُحكم بمنطق العقيدة السياسية، أم بمنطق حق الشعوب في أرضها وسيادتها؟
فحين يقول مشروع ما إن له حقًا تاريخيًا أو دينيًا في أرضٍ يسكنها شعب آخر، ثم يجعل من تلك الرواية أساسًا للتوسع، فإن المشكلة لم تعد دينية فحسب؛ بل أصبحت قضية سياسية وإنسانية وجغرافية.
وحين يرفع مشروع آخر شعارات دينية وثورية، ثم يتحول ذلك الخطاب إلى نفوذ سياسي وعسكري يمتد عبر دول عربية، فإن السؤال نفسه يعود من جديد:
أين تنتهي العقيدة وتبدأ الجغرافيا السياسية؟
كيانان مختلفان... ومنطق واحد
الكيان الصهيوني بنى جزءًا أساسيًا من روايته السياسية على فكرة الارتباط الديني والتاريخي بالأرض، ثم تحولت هذه الرواية لدى التيارات السياسية التوسعية إلى أداة لتبرير السيطرة والاحتلال والاستيطان.
وفي المقابل، نشأ في إيران بعد الثورة عام 1979 خطاب سياسي جديد جعل من الثورة والدين والمذهب جزءًا من مشروع الدولة الإقليمي، ثم تطور هذا المشروع عبر السنوات إلى نفوذ واسع في عدد من الدول العربية، بأشكال سياسية وعسكرية وأمنية ومذهبية مختلفة.
لا يعني ذلك أن المشروعين متطابقان في كل شيء؛ فلكل منهما تاريخه وأدواته وأيديولوجيته وأهدافه الخاصة.
لكن التشابه الذي ينبغي للعرب أن يتوقفوا عنده هو منطق التمدد خارج الحدود، وتقديم مبررات تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية، والتعامل مع المجال العربي بوصفه ساحة نفوذ وصراع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه المنطقة عن السيادة الوطنية، والاستقلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، نجد مشاريع إقليمية تتعامل مع بعض الدول العربية باعتبارها أوراقًا في لعبة النفوذ.
فلسطين ليست قضية منفصلة عن المشهد
القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع حدودي عابر.
إنها نموذج واضح لما يحدث عندما يمتلك مشروع سياسي القدرة على تحويل الرواية الدينية والتاريخية إلى برنامج جغرافي وسياسي طويل المدى.
الأرض الفلسطينية تحولت إلى ساحة صراع بين روايات متناقضة، لكن الوقائع على الأرض تظل أقوى من الشعارات.
وهذا يجعل القضية الفلسطينية اختبارًا حقيقيًا للنظام العربي والدولي: هل تبقى الأرض العربية مجالًا مفتوحًا للمشاريع التوسعية؟ أم أن هناك إرادة سياسية حقيقية لحماية حق الشعوب وسيادتها؟
ومن الضفة الأخرى يأتي التمدد الإيراني
وفي الجهة الأخرى من المشهد، شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة تمددًا إيرانيًا واضحًا في عدد من الساحات العربية، خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وهنا يجب أن يكون الحديث دقيقًا وعادلًا.
ليس كل شيعي إيرانيًا، وليس كل شيعي عربيًا تابعًا لإيران، كما أن الخلاف السياسي مع الحكومة الإيرانية لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع مذهب أو طائفة.
المشكلة في المشروع السياسي، لا في الإنسان الذي ينتمي إلى مذهب معين.
فالشيعة العرب جزء أصيل من النسيج العربي، كما أن السنة العرب ليسوا كتلة سياسية واحدة.
لكن عندما تستخدم دولة إقليمية المذهب أو الطائفة أو الشعارات الثورية لبناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، فإن من حق العرب أن يناقشوا هذا المشروع وينتقدوه بوضوح.
فالسيادة لا تتجزأ، والعاصمة العربية لا ينبغي أن تكون ورقة في يد أي عاصمة إقليمية، سواء كانت طهران أو غيرها.
بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء
المشهد العربي خلال السنوات الماضية يقدم دروسًا قاسية.
عواصم عربية كانت تمتلك مؤسسات وجيوشًا واقتصادات، تحولت تدريجيًا إلى ساحات لتصارع النفوذ.
العراق دفع ثمنًا هائلًا من الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية.
وسوريا أصبحت ميدانًا تتقاطع فيه مشاريع دولية وإقليمية متعددة.
ولبنان عاش طويلًا تحت وطأة الانقسام السياسي والسلاح والنفوذ الخارجي.
واليمن تحول إلى ساحة صراع إقليمي ودولي أرهقت شعبه وأضعفت دولته.
وفي كل هذه الحالات، يبقى المواطن العربي هو الخاسر الأكبر.
فالذين يتصارعون على النفوذ يجلسون خلف الطاولات، بينما الشعوب تدفع الثمن من أمنها واقتصادها ومستقبل أبنائها.
الخطر الحقيقي: أن تصبح الدولة أضعف من المشروع
المشكلة الأخطر ليست وجود دولة قوية في الإقليم فحسب، وإنما أن تصبح الدولة العربية نفسها أضعف من المشاريع التي تعمل داخلها وحولها.
عندما تضعف الدولة، تظهر القوى البديلة.
وعندما تنهار المؤسسات، تتقدم الميليشيات.
وعندما ينهار القرار الوطني، يصبح القرار موزعًا بين عواصم متعددة.
وعندما يصبح الانتماء الطائفي أقوى من الانتماء الوطني، تصبح الحدود السياسية مجرد خطوط على الخرائط