في الأردن، لا تُقاس الهيبة دائمًا بالكلمات، ولا تُروى الحكايات كلها في الكتب؛ فهناك تفاصيل صغيرة تختزن تاريخًا طويلًا من العادات والتقاليد، ومن بينها العقال المفتوح، الذي ارتبط في الذاكرة الشعبية الأردنية بصورة الرجل العربي الأصيل، صاحب الكرامة والمروءة والجاه.
فالعقال في الموروث الأردني ليس مجرد قطعة تُوضع فوق الشماغ أو الغترة، وإنما هو جزء من شخصية الرجل وهيبته واعتزازه بأصالته وانتمائه. ومع اختلاف طرق ارتدائه بين المناطق والعشائر، بقي للعقال مكانته الخاصة في الزي العربي الأردني، وبقيت له رمزية تتجاوز شكله الخارجي.
أما العقال المفتوح، فقد ارتبط في الذاكرة العشائرية والشعبية بمعانٍ جميلة تتصل بالكرم والشهامة وسعة الصدر.
وتتناقل الروايات الشعبية أن انفتاح العقال يحمل دلالة رمزية على انفتاح البيت لاستقبال الضيف، وانفتاح القلب للصلح والتسامح، وأن صاحبه لا يغلق بابه في وجه محتاج ولا يتردد في أداء واجب أو نجدة مستغيث.
وهنا تكمن جماليات التراث؛ إذ إن بعض العادات لا تحتاج إلى نص مكتوب حتى تعيش، وإنما تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى جيل، حتى تصبح جزءًا من الذاكرة والهوية.
وفي البادية الأردنية، حيث كانت الكلمة عهدًا، والضيف عزيزًا، والجار له حرمة، والفزعة واجبًا، اكتسبت تفاصيل اللباس العربي حضورًا خاصًا.
فالشماغ والعقال والثوب لم تكن مجرد أزياء، بل كانت تعكس منظومة اجتماعية متكاملة تقوم على الكرامة والضيافة والنخوة والوفاء وحفظ العهد.
ومن هنا يمكن فهم مكانة العقال المفتوح في المخيال الشعبي؛ فهو صورة من صور الهيبة الهادئة، وهيبة لا تقوم على التكبر، بل على الاحترام. فالرجل صاحب الهيبة في المجتمع العشائري هو الذي يُعرف عند الشدائد، ويُقصد عند الخلاف، ويُفتح له المجلس، وتُسمع كلمته عندما يتعلق الأمر بالصلح والإصلاح.
ولذلك ارتبطت صورة الشيخ والوجيه في الذاكرة الأردنية باللباس العربي الأصيل، ليس باعتباره مظهرًا اجتماعيًا فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من حضور الرجل ومكانته ومسؤوليته تجاه أهله ومجتمعه.
والأردنيون، وهم أبناء تاريخ طويل من البادية والريف والمدينة، حافظوا على الكثير من هذه الرموز رغم تغير الزمن. فما زال الشماغ والعقال حاضرين في المناسبات الوطنية والاجتماعية والعشائرية، وما زالت المجالس الأردنية تستحضر صور الآباء والأجداد بكل ما تحمله من وقار وأصالة.
ومن المهم هنا أن ندرك أن دلالة العقال المفتوح ليست قاعدة رسمية موحدة لدى جميع الأردنيين أو جميع العشائر؛ فطرق ارتداء العقال تختلف بحسب المناطق والعشائر والعادات والمناسبات.
لكن قيمته الرمزية في الذاكرة الشعبية تبقى مرتبطة بمعانٍ نبيلة، وفي مقدمتها الكرم والرجولة والوجاهة والانفتاح على الناس.
إن أجمل ما في التراث الأردني أنه لا يعيش في المتاحف فقط، بل يعيش في تفاصيل الناس؛ في فنجان القهوة، وفي صوت الهجيني، وفي بيت الشعر، وفي استقبال الضيف، وفي كلمة الشيخ، وفي يد تمتد للصلح، وفي عقال مفتوح يروي، بطريقته الخاصة، حكاية مجتمعٍ كان يرى في الكرامة موقفًا، وفي الضيافة واجبًا، وفي الفزعة شرفًا، وفي الصلح بطولة.
ويبقى العقال المفتوح واحدًا من تلك الرموز التي تستحق أن تُحفظ للأجيال، لا باعتباره مجرد طريقة في ارتداء العقال، وإنما باعتباره جزءًا من صورة أوسع لتراث أردني عريق، يحكي قصة رجالٍ كانت قيمهم عنوانًا لحياتهم، وكانت مجالسهم مدارس في المروءة والكرم وحفظ العهد.
فالعقال صورة من صور الأصالة، وتفصيل صغير في مظهر الرجل، لكنه يفتح بابًا واسعًا على تاريخٍ من الهيبة والكرم والنخوة الأردنية.