حتى لا تفوتك آخر الأحداث والأخبار العاجلة
اليرموك تجمع التعليم والصناعة وسوق
العمل على طاولة المستقبل
نيروز – خاص – محمد محسن عبيدات
في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية،
وتتغير فيه احتياجات سوق العمل بصورة غير مسبوقة، يأتي المؤتمر الوطني الأول للتعليم
التقني والتطبيقي الذي نظمته جامعة اليرموك تحت شعار "على خطى الحسين"، ليؤكد
أن التعليم لم يعد مجرد وسيلة للحصول على شهادة، بل أصبح أحد أهم مفاتيح بناء الاقتصاد
وصناعة المستقبل وتمكين الشباب.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية استثنائية لكونها
جاءت من جامعة اليرموك، التي تحتفل بيوبيلها الذهبي، لتثبت مرة أخرى أن الجامعات الوطنية
الكبرى لا تكتفي بدورها الأكاديمي، وإنما تتقدم إلى الصفوف الأولى في القضايا الوطنية،
وتستشرف احتياجات المرحلة المقبلة.
لقد نجح المؤتمر في جمع صناع القرار والأكاديميين
والخبراء ومؤسسات التدريب والتشغيل والقطاع الصناعي والاقتصادي، حول قضية واحدة تمس
مستقبل الأردن مباشرة: كيف ننتقل بالتعليم من المعرفة إلى المهارة، ومن المهارة إلى
العمل والإنتاج؟
وهذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة
وطنية في ظل تحديات البطالة وفجوة المهارات، والتطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي
والاقتصاد الرقمي، وتغير طبيعة الوظائف والمهن.
وجاءت جلسات المؤتمر لتناقش مستقبل التعليم
التقني، وعلاقته بالاقتصاد الوطني والريادة والابتكار، وتجارب التعليم التقني العالمية،
وسبل بناء منظومة وطنية تنافسية، إضافة إلى البحث في الحلقة الأهم: الانتقال من التعليم
إلى التوظيف، وتعزيز الشراكة بين الجامعات وأصحاب العمل وقطاعات الصناعة والتدريب.
ومن اللافت أن المؤتمر لم يتعامل مع الذكاء
الاصطناعي والتكنولوجيا باعتبارهما تحدياً يهدد التعليم، بل باعتبارهما فرصة لإعادة
بناء المهارات وتطوير قدرات الشباب، بحيث يكون الإنسان هو محور التكنولوجيا، لا تابعاً
لها.
أما شعار "على خطى الحسين"، فقد
حمل دلالة وطنية عميقة، تؤكد أن مسيرة بناء الإنسان التي شكلت ركناً أساسياً في الدولة
الأردنية، مستمرة اليوم برؤية جلالة الملك عبدالله الثاني واهتمام سمو ولي العهد الأمير
الحسين بن عبدالله الثاني، من خلال الاستثمار في الشباب وتأهيلهم وتمكينهم ليكونوا
شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل.
وتبرز هنا أهمية الدور الذي تؤديه جامعة اليرموك،
التي لم تنتظر أن تأتيها تحولات سوق العمل، بل بادرت إلى إنشاء الكلية التقنية، وتطوير
برامج تربط المعرفة بالتطبيق والتدريب العملي، وتفتح جسوراً حقيقية مع الصناعة وسوق
العمل.
وهذا هو جوهر الجامعة الحديثة: أن لا تكتفي بتخريج الطلبة، وإنما تسأل عن مستقبلهم، ومهاراتهم، وقدرتهم على العمل والإنتاج والابتكار.
إن انعقاد هذا المؤتمر في عام اليوبيل الذهبي
لجامعة اليرموك يحمل رسالة إضافية؛ فبعد خمسين عاماً من العطاء الأكاديمي والثقافي
والعلمي، تؤكد اليرموك أنها قادرة على تجديد دورها الوطني، والانتقال من صناعة المعرفة
فقط إلى صناعة المعرفة والمهارة والفرصة.
لقد أثبتت اليرموك بهذا المؤتمر أنها ليست
جامعة للدرس والبحث فقط، بل جامعة وطنية تستشعر نبض المجتمع، وتقرأ تحولات الاقتصاد،
وتضع خبراتها في خدمة مستقبل الشباب والوطن.
وفي المحصلة، فإن التعليم التقني والتطبيقي
ليس مساراً تعليمياً من الدرجة الثانية، بل أحد أهم مسارات المستقبل؛ لأنه يبني الإنسان
القادر على العمل، ويعزز الإنتاجية، ويدعم الصناعة، ويفتح أبواب الريادة، ويمنح الاقتصاد
كوادر تمتلك المهارة التي يحتاجها.
ويبقى الرهان الحقيقي أن تتحول مخرجات هذا
المؤتمر إلى برامج وسياسات وشراكات ومشاريع قابلة للتنفيذ والقياس، حتى لا تبقى الأفكار
الجميلة حبيسة قاعات المؤتمرات.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في ختام هذا الحدث:
إن اليرموك، وهي تطفئ شمعتها الخمسين، لا تنظر إلى نصف قرن مضى باعتباره نهاية مرحلة،
بل تعتبره بداية لمرحلة جديدة عنوانها جامعة أكثر ارتباطاً بالمستقبل، وتعليم أكثر
التصاقاً بسوق العمل، وشباب أكثر قدرة على صناعة فرصهم والمشاركة في بناء وطنهم.
هكذا تكون الجامعات الوطنية شريكاً في التحديث..
وهكذا تكون اليرموك دائماً: جامعة تصنع المعرفة، وتبني الإنسان، وتفتح الطريق نحو المستقبل.