تخرج علينا بين الحين والآخر تصريحات غير مسؤولة ولا منضبطة تصدر عن شخصيات تفتقر إلى أدنى درجات الحس الاستراتيجي والمعرفة العسكرية تصريحات تتوهم في شطحات خيالية أن الأردن يمكن استهدافه أو اقتحامه بخمسة ألوية وإن الحديث بهذه السطحية لا يعكس فقط جهلاً مأساوياً بجغرافية المنطقة وعقيدتها العسكرية بل يتغافل عمداً عن حقائق التاريخ والواقع الاستراتيجي الذي جعل من الأردن قلعة العصم والمنعة والملاذ الآمن لكل من قصده من الشعوب عبر هذه السنين الطويلة والرد على هذه الترهات والادعاءات الساذجة لا يكون بالمهاترات بل بمنطق العقل ولغة الأرقام وتفكيك العجز القيادي والتكتيكي للذين يطلقون مثل هذه البالونات الإعلامية إذ يبرهن سجل الأردن التاريخي الحافل باستقبال موجات اللاجئين وإشادات المنظمات الدولية المتعاقبة على مدى استقرار المملكة وأمنها وأمانها المؤسسي والاجتماعي الراسخ وسط إقليم يموج بالاضطرابات فالدولة التي تفتح أبوابها لنيّف و1.3 مليون شقيق سوري وتوفر لهم الأمن والخدمات دون أن تهتز بنيتها الأمنية أو الاجتماعية هي دولة تمتلك مناعة سياسية وأمنية لا تزعزعها الأراجيف ولا تكسرها الأوهام وما يزيد هذه الدولة ثباتاً ومهابة عالمية هو عمق نسجها الداخلي القائم على الوحدة الوطنية الصلبة والرسالة التاريخية والدينية المتجذرة من خلال الوصاية الهاشمية الدائمة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف تلك الوصاية التي تمثل خط دفاع أول عن تاريخ الأمة وهويتها وتمنح الأردن مكانة استثنائية وثقلاً جيوسياسياً ورسمياً لا يجرؤ أحد على تجاوزها أو المساومة عليها في شتى المحافل الدولية كما لا يُقاس الجيش العربي الأردني بمجرد الأعداد والحيّز العددي فحسب بل بكفاءة الفرد والتجهيز التكنولوجي والتدريب المتطور حيث يُصنّف الجيش الأردني كأحد أكثر جيوش المنطقة كفاءة واحترافية وتنظيماً بوجود قوات خاصة ومظليين وسلاح جو يمتلك الجاهزية القصوى والاستجابة السريعة لأي تهديد خلال دقائق معدودة ويمتلك الأردن عمقاً استراتيجياً وتضاريس معقدة وشبكة دفاعات حدودية متكاملة مدعومة بأحدث أنظمة الرصد والمراقبة الإلكترونية مما يجعل أي تفكير في انتهاك حدوده مجرد انتحار عسكري محتوم وفي التكتيك العسكري الحديث تُعد خمسة ألوية وهي ما يعادل قوة فرقة عسكرية تقريباً غير كافية حتى لتأمين خط إمداد أو شريط حدودي لمسافة قصيرة في منطقة مفتوحة فكيف ببلد يمتلك مئات الآلاف من الضباط والجنود وقوات الاحتياط الجاهزة للقتال واستدعاء التعبئة العامة في ساعات ومما يغفله من يطلق هذه التصريحات هو الفارق الجوهري بين إدارة الميليشيات المسلحة غير النظامية وبين مواجهة جيش نظامي صلب يمتلك عقيدة قتالية موحدة وقيادة وسيطرة مركزية وسلاح جو قادر على إبادة وتدمير أي قوات متحركة في المناطق المفتوحة قبل أن تتجاوز شبرًا واحدًا من الحدود وبالإضافة إلى القوة العسكرية الضاربة فإن الأردن يقف على بناء مؤسسي مالي وسياسي متين إذ تشير تقارير وكالات التصنيف الدولية مثل فتش وموديز إلى ثبات التصنيف الائتماني للأردن ونظرته المستقبلية المستقرة إلى جانب احتفاظ البنك المركزي بأعلى مستويات الاحتياطي الأجنبي مما يوفر بيئة اقتصادية قادرة على إسناد وتغطية أي متطلبات دفاعية وأمنية طويلة الأجل فضلاً عن العقد الاجتماعي الصلب الذي يربط بين القيادة الهاشمية وكافة شرائح الشعب ليثبت الأردن دوماً أنه المأمن والواحة المستقرة وتطوق جبهته الداخلية جداراً ناريّاً تحطمت عليه كافة المحاولات لتأجيج الفتنة أو استعراض القوة وأؤكد دوماً أن استقرار الأردن واستقرار العراق هما كفتان لميزان أمني واقتصادي واحد وكان الأردن ولا يزال الداعم الأول لسيادة العراق وعروبته وحصر السلاح بيد دولته ومؤسساته الرسمية وإن التصريحات الانفعالية الصادرة عن بعض الأشخاص لا تعبر عن أصالة الشعب العراقي الشقيق ولا عن التاريخ المشترك بل هي مجرد صدى لأجندات خارجية ومحاولات للتغطية على الأزمات البنيوية التي تعاني منها بعض الجهات عبر تصدير الصوت العالي نحو الخارج وبصراحة القول - الأردن عصي على الانكسار برسالته التاريخية ووعي شعبه وبسالة قواته المسلحة الجيش العربي وأجهزته الأمنية أسمى وأجلّ من أن تنال منه ترهات عابرة أو أوهام رقمية لا تعي مبادئ العلوم العسكرية ولا حقائق الواقع وستبقى حدود الأردن سيادة لا تُسابق ورماحاً لا تُكسر وخطاً أحمر تسحق على عتباته أوهام كل مغامر واهم وتبدد أراجيف كل مأجور سائلين الله أن يحفظ الأردن عزيزاً شامخاً عصياً على كل من أضمر له سوءاً.