في عالم تتسارع فيه الأزمات الغذائية والمناخية والاقتصادية، لم يعد الأمن الغذائي ملفًا قطاعيًا محدودًا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني والسيادة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا تبرز أهمية الخبرات الوطنية التي استطاعت أن تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة الميدانية والرؤية الاستراتيجية، ويأتي الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي في مقدمة هذه الخبرات التي تستحق التقدير والاستفادة منها على المستوى الوطني.
فالحديث عن الدكتور فاضل الزعبي هو حديث عن تجربة مهنية طويلة في الأمن الغذائي والسياسات الزراعية والتنمية الريفية وتحويل النظم الغذائية وإدارة الأزمات، وهي مجالات أصبحت اليوم في صميم عملية صناعة القرار الاقتصادي والزراعي.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لا تنظر إلى الأمن الغذائي باعتباره مجرد توفير للغذاء، وإنما باعتباره منظومة متكاملة تبدأ من الموارد والإنتاج، وتمتد إلى سلاسل القيمة والتصنيع والتخزين والتسويق والأسواق، وتنتهي بقدرة الدولة على الصمود أمام الأزمات والصدمات العالمية.
إن خبرة الدكتور الزعبي الممتدة لأكثر من 28 عامًا، وما رافقها من عمل دولي وإقليمي، ولا سيما ضمن منظومة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، منحته قدرة متميزة على قراءة التحولات التي يشهدها قطاع الغذاء عالميًا وربطها بالواقع العربي والوطني.
وأرى أن هذه الخبرة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للأردن، في ظل محدودية الموارد المائية، وتغير المناخ، وارتفاع كلف الإنتاج، وتقلبات الأسواق العالمية، وما يرافق ذلك من تحديات أمام استدامة الإنتاج الزراعي واستقرار منظومة الغذاء.
فالأردن لا يحتاج فقط إلى زيادة الإنتاج، وإنما يحتاج إلى بناء مرونة غذائية قادرة على التعامل مع الأزمات، وتنويع مصادر التوريد، وتعزيز الإنتاج المحلي، ورفع كفاءة استخدام المياه والأرض والطاقة.
وهنا تبرز الرؤية التي يحملها الدكتور فاضل الزعبي في أهمية الانتقال من السياسات التقليدية إلى سياسات غذائية قائمة على البيانات والأدلة والابتكار، وربط البحث العلمي بصناعة القرار.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والزراعة الذكية مناخيًا في تحديد المحاصيل ذات الأولوية، وتحسين الإنتاجية، وتقليل الفاقد، ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية.
وأعتقد أن الدكتور الزعبي يمتلك من خلال خبرته الدولية والمحلية قدرة مهمة على ترجمة المعرفة إلى سياسات، وربط التجارب الدولية بالاحتياجات الوطنية، وهي ميزة أساسية في أي نقاش جاد حول مستقبل الأمن الغذائي.
إن الأمن الغذائي الأردني يحتاج إلى منظومة عمل تشاركية تجمع الدولة والقطاع الخاص والمزارعين والجامعات ومؤسسات البحث العلمي والخبراء، بحيث يصبح القرار الزراعي والغذائي مبنيًا على رؤية متكاملة وليس على ردود الفعل.
كما أن علينا أن ننظر إلى القطاع الزراعي باعتباره قطاعًا اقتصاديًا واستثماريًا قادرًا على خلق فرص العمل وتعزيز الصادرات وتحفيز الابتكار، وليس مجرد قطاع لإنتاج الغذاء.
وفي هذا السياق، فإن الاستفادة من خبرات الدكتور فاضل الزعبي يمكن أن تشكل إضافة نوعية للحوار الوطني حول مستقبل الزراعة والأمن الغذائي والسياسات الاقتصادية المرتبطة بالغذاء.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى خبراء قادرين على الربط بين الأمن الغذائي والأمن المائي والأمن الاقتصادي والتغير المناخي، ضمن رؤية واحدة تتعامل مع الغذاء باعتباره قضية سيادية واستراتيجية.
وأؤمن أن قوة الدكتور فاضل الزعبي لا تكمن فقط في سنوات الخبرة التي راكمها، وإنما في قدرته على فهم الصورة الأشمل؛ من المزرعة إلى السوق، ومن الموارد إلى السياسات، ومن التحدي إلى الحل.
إننا بحاجة اليوم إلى تحويل ملف الأمن الغذائي من مفهوم استراتيجي مكتوب في الخطط إلى أجندة وطنية قابلة للقياس والتنفيذ، تعتمد على مؤشرات أداء واضحة، وشراكات فاعلة، واستثمارات ذكية، واستشراف مبكر للمخاطر.
وفي تقديري، فإن الدكتور فاضل الزعبي يمثل إحدى الخبرات الوطنية التي يمكن أن يكون لها دور فاعل في هذا المسار، لما يمتلكه من معرفة متخصصة وتجربة دولية ورؤية مرتبطة بالواقع الزراعي والغذائي في المنطقة.
وفي النهاية، فإن الأمن الغذائي ليس مجرد قضية إنتاج، ولا قضية استيراد، ولا مسؤولية مؤسسة واحدة؛ إنه مشروع وطني متكامل، وقرار سيادي، واستثمار في مستقبل الدولة وأجيالها القادمة.
ومن هنا، فإن الاستماع إلى أصحاب الخبرة، ومن بينهم الدكتور فاضل الزعبي، والاستفادة من تجاربهم ورؤاهم، يجب أن يكون جزءًا من عملية تطوير السياسات الوطنية، لأن المرحلة المقبلة لا تحتمل الحلول التقليدية، وإنما تحتاج إلى فكر جديد، وقرارات مبنية على المعرفة، ورؤية تستشرف المستقبل قبل أن تفرض علينا الأزمات خياراتها.