وسّعت شركات السيارات الصينية خلال السنوات الأخيرة حضورها في الأسواق الإفريقية، متجاوزة مرحلة تصدير المركبات إلى الاستثمار في التصنيع والتجميع المحلي، وبناء شراكات متكاملة تشمل الإنتاج والمبيعات والصيانة والتدريب وتطوير سلاسل الإمداد.
وأسهمت الأسعار التنافسية والموثوقية والقدرة على التكيف مع ظروف الاستخدام والطرق المحلية في زيادة انتشار السيارات الصينية، بالتوازي مع توسع الشركات في إقامة شراكات مع نظيراتها الإفريقية وتطوير منظومات متكاملة تمتد عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة.
وفي العاصمة المصرية القاهرة، يقود وائل سيارة أجرة من طراز «جيلي إمجراند»، وهي من السيارات التي جرى تجميعها محلياً في مصر بمصنع BAMC، وأصبحت من الطرازات المستخدمة على نطاق واسع في سيارات الأجرة وخدمات النقل الذكي.
ويقول وائل إن سيارته تتميز بالمتانة والاقتصاد في استهلاك الوقود وانخفاض الأعطال، وتحافظ على موثوقيتها رغم درجات الحرارة المرتفعة التي تصل إلى 40 درجة مئوية والقيادة لمسافات طويلة.
وتشير البيانات إلى أن السيارات الصينية استحوذت على نحو 39% من مبيعات سوق السيارات المصرية خلال عام 2025، فيما ساعدت الأسعار المناسبة والقدرة على التكيف مع ظروف الطرق المحلية في جعل السيارات في متناول شريحة أوسع من المستهلكين.
وفي العاصمة الأنغولية لواندا، تحظى علامات صينية مثل «جيتور» و«تشانغان» و«جيلي» بحضور متزايد في سوق السيارات، فيما يؤكد فرناندو، رئيس رابطة وكلاء السيارات في أنغولا، أن السيارات الصينية انتقلت خلال سنوات قليلة من حضور محدود إلى الاستحواذ على أكثر من 60% من السوق المحلية، بعد أن كانت العلامات الأوروبية والأمريكية واليابانية تهيمن على السوق.
ولا يقتصر التوسع الصيني على المبيعات، بل يمتد إلى إنشاء وتطوير القدرات التصنيعية المحلية. ففي الثالث من يوليو/تموز من العام الجاري، دُشّن مصنع روسلين التابع لشركة شيري في بريتوريا بجنوب إفريقيا، وهو مصنع يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1963، واستحوذت عليه شيري مؤخراً بعد أن كان تحت إدارة شركة نيسان اليابانية.
وتخطط شيري لتطوير منظومة التوريد المحلي وسلاسل الإمداد، وتحويل المصنع إلى مركز متكامل يشمل البحث والتطوير والتصنيع والتدريب المهني والتصدير، بما يعزز موقع جنوب إفريقيا كمركز إقليمي لصناعة السيارات.
وفي مصر، يوفر مصنع تجميع سيارات جيتور بمدينة حلوان نحو 1500 فرصة عمل للعمالة المحلية، إلى جانب تدريب نحو 200 عامل وفني. وأوضح أحمد، مدير المصنع، أن الشركاء الصينيين أسهموا في إدخال تقنيات تصنيع متقدمة وخبرات إدارية، الأمر الذي ساعد على رفع كفاءة عمليات التجميع المحلية.
كما تواصل شركة تشانغان توسيع إنتاجها المحلي في القاهرة، مع خطط لإطلاق طرازها الثاني المجمع محلياً في مصر خلال عام 2026، وطرح خمسة طرازات محلية بحلول عام 2028، إلى جانب تطوير قاعدة صناعية متكاملة تجمع بين الإنتاج والبحث والتطوير والمبيعات.
وأشار شياو فنغ، المدير العام لقسم الشرق الأوسط وأفريقيا في الشركة، إلى أن توطين الكفاءات أتاح للعديد من العمال المصريين الانتقال من وظائف تشغيلية مبتدئة إلى قيادة فرق العمل، مع تحقيق تحسن ملموس في مستويات الدخل والخبرات المهنية.
وتؤكد هذه التجارب أن استراتيجية شركات السيارات الصينية في إفريقيا لم تعد تقتصر على تصدير المركبات، بل أصبحت تقوم على نقل التكنولوجيا، وتطوير المهارات، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتوطين سلاسل الإمداد والخبرات الإدارية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «جورنال دي أنغولا»، فإن هذا التوجه يدفع قطاع السيارات الإفريقي تدريجياً نحو التصنيع الذكي، ويقدم نموذجاً للتعاون الصيني الإفريقي القائم على الاستثمار ونقل المعرفة وتحقيق المنفعة المتبادلة.