على رمال صحراء غوبي الشاسعة، تمتد زرقة كثيفة وممتدة لحقول الألواح الكهروضوئية بمدينة كوتشا بمنطقة شينجيانغ. تقوم هذه الحقول بتوليد الكهرباء الخضراء، وستنقلها نحو محطة إنتاج الهيدروجين الواقعة على بعد أكثر من 20 كيلومترا، حيث تُستخدم في التحليل الكهربائي للمياه، ثم يُنقل الهيدروجين المنتج عبر الأنابيب إلى منشأة للتكرير والصناعات الكيماوية.
هذا المشروع النموذجي الذي تديره شركة سينوبك -شينجيانغ كوتشا- يعد أول مشروعا صينيا لإنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق 10 آلاف طن، وقد بدأ الإنتاج في 30 يونيو 2023.
ويجمع المشروع بين عمليات إنتاج الهيدروجين وتخزينه ونقله واستخدامه، مستفيدا من وفرة الطاقة الشمسية المحلية لتوفير الكهرباء اللازمة للإنتاج، وتزويد شركة سينوبك -تاهي المجاورة بالهيدروجين الأخضر بدلا من الهيدروجين التقليدي المستخرج من الغاز الطبيعي والمستخدم في عمليات التكرير
.
في هذا الصدد، قالت لي رويشيا، مديرة قسم طاقة الهيدروجين في شركة سينوبك ستار للطاقة الجديدة، إن المشروع قادر عند تشغيله بكامل طاقته على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 485 ألف طن سنويا. وقد أثبت المشروع بعد أكثر من ثلاث سنوات من التشغيل الآمن جدوى الاستخدام الصناعي للهيدروجين الأخضر.
ويتم إنتاج الهيدروجين الأخضر عبر التحليل الكهربائي للمياه باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، على خلاف الهيدروجين الرمادي المستخرج من الوقود الأحفوري وما يرتبط به من انبعاثات مرتفعة، وكذلك الهيدروجين الأزرق الذي يعتمد بشكل أساسي على الوقود الأحفوري وتقنيات احتجاز الكربون.
ويمثل الهيدروجين مادة خام أساسية في تكرير النفط والصناعات الكيماوية، ويمكن أن يسهم استبدال الهيدروجين التقليدي بالهيدروجين الأخضر في خفض انبعاثات قطاع البتروكيماويات. وتوسيع تطبيقاته نحو صناعة الصلب وتوليد الطاقة والنقل.
في مدينة لينيي بمقاطعة شاندونغ، نجح خط نموذجي لفرن عمودي يعمل بالهيدروجين النقي، طوره معهد أبحاث الحديد والصلب الصيني، في تحقيق إنتاج منتظم للحديد المختزل مباشرة باستخدام الهيدروجين، بمعدل اختزال معدني يتجاوز 96%، إلى جانب إنتاج تجريبي للحديد عالي النقاء بدرجة 3N (99.9%) .
ويُعد المشروع أول تطبيق ناجح لفرن عمودي يعمل بالهيدروجين النقي في الصين، بتحقيق أكثر من 8 آلاف ساعة من العمل المنتظم، فيما تجاوزت أطول فترة تشغيل متواصلة ألفي ساعة.
وفي قطاع النقل، استفادت الصين من كثافة الطاقة العالية للهيدروجين وقدرته على النقل لمسافات طويلة في تطبيقات تشمل الحافلات وشحن منتجات التبريد وغيرها. فخلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين لعام 2022، شاركت 200 حافلة تعمل بالهيدروجين، مجهزة بنظام خلايا الوقود طورته شركة سبيك لتكنولوجيا طاقة الهيدروجين، في خدمات النقل. وقطعت الحافلات أكثر من 880 ألف كيلومتر في ظروف شملت انخفاض درجات الحرارة وتساقط الثلوج والتضاريس الجبلية، وخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 620 طنا، محققة "صفر كربون، وصفر حوادث، وصفر أخطاء تشغيلية".
وبحلول نهاية عام 2025، بلغ إجمالي مبيعات المركبات العاملة بخلايا وقود الهيدروجين في الصين نحو 40 ألف وحدة، فيما امتدت التطبيقات إلى شاحنات التعدين والسفن والطائرات المسيرة ووسائل النقل بالسكك الحديدية.
كما قامت الصين بإنشاء 574 محطة لتزويد الهيدروجين بطاقة إجمالية تتجاوز 360 طنا يوميا، وبلغت القدرة الوطنية لإنتاج الهيدروجين الأخضر نحو 250 ألف طن. ويجري حاليا تطبيق الاستبدال الجزئي والمستقر للهيدروجين الأخضر في صناعات تكرير النفط والصناعات الكيماوية القائمة على الفحم.
وتنتقل صناعة طاقة الهيدروجين في الصين حاليا من مرحلة التجارب والعروض التوضيحية إلى التطوير التجاري واسع النطاق، مدفوعة بالطلب الصناعي والابتكار التكنولوجي والسياسات الداعمة.
وقد أدرجت مسودة "الخطة الخمسية الخامسة عشرة" طاقة الهيدروجين ضمن المجالات الرئيسية للتنمية الصناعية المستقبلية، فيما أدرجت "الخطة الخمسية الخامسة عشرة لبناء نظام جديد للطاقة" الهيدروجين ضمن إمدادات الطاقة غير الأحفورية، وحددت هدفا لإنتاج مليوني طن من الهيدروجين من مصادر متجددة بحلول عام 2030.
وباتت الصين اليوم، بعد سنوات من التطويرأكبر منتج ومستهلك للهيدروجين في العالم، وتمتلك قاعدة صناعية وخبرة واسعة في مجال الإمداد. ومع ذلك، لا تزال الصناعة في مرحلة مبكرة، وتواجه تحديات تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومحدودية الجدوى الاقتصادية، وعدم نضج آليات السوق والتسعير، بما يعرقل التوسع التجاري للهيدروجين الأخضر.
وترى لي رويشيا أن الهيدروجين الأخضر يجمع بين خصائص الطاقة النظيفة وتخزين الطاقة، ما يجعله أداة مهمة لخفض الانبعاثات في القطاع الصناعي ودعم أهداف "الكربون المزدوج".
ومع استمرار انخفاض تكلفة الكهرباء الخضراء، وتحسن أداء أجهزة التحليل الكهربائي وخلايا الوقود، وتطور تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمواد، يُتوقع أن تتراجع تكلفة إنتاج واستخدام الهيدروجين الأخضر، وأن تتعزز القدرة التنافسية لهذه الصناعة.