يُعتبر التراث الشعبي الأردني والعربي سجناً أميناً للذاكرة الجماعية ، ومستودعاً زاخراً بالملامح الإنسانية التي تعكس عمق التجربة التاريخية والحضارية لأبناء هذه المنطقة . ومن بين مئات الممارسات والعادات التي شكلت الهوية الاجتماعية والوجدان الشعبي ، تبرز ظاهرة الوشم أو ما يُعرف شعبيّاً بـ " الدق " كواحدة من أكثر الظواهر إثارة للتأمل والبحث ؛ إذ تجاوزت كونها مجرد نقش جسدي لتتحول إلى وثيقة ناطقة بحكايات الصبر ، والجمال ، والانتماء العميق للأرض ، ولتخط بأسلوبها الفريد خطوط الزمن على أجساد الجدات والأمهات في الريف والبادية الأردنية اللاتي صنعن بوجودهن وقسوة ظروفهن ملاحم العطاء والبقاء .
أولاً : الجذور التاريخية للوشم وتسمياته المتعددة عبر الأقاليم العربية والعالمية :
يُعد الوشم ظاهرة اجتماعية وتراثية عميقة الجذور عرفتها مختلف الشعوب القديمة حول العالم منذ أزمنة موغلة في القدم ، فقد امتدت فكرة الوشم إلى منطقتنا العربية باعتبارها امتداداً لتقاليد عريقة ورثتها البشرية عبر آلاف السنين ، إذ ترجع في أصولها الأولى إلى المعتقدات والرموز القبلية والحماية الروحية .
وتجدر الإشارة إلى اختلاف التسميات والمصطلحات الدالة على هذه الظاهرة باختلاف الأقاليم والمجتمعات العربية ، فبينما يُطلق عليها في منطقتنا العربية ( متمثلة في بلاد الشام ، العراق ، شبه الجزيرة العربية ، ومصر ) اسما " الوشم " أو " الدق " ، نجد بالمقابل أن هذه الممارسة تُعرف في بلدان شمال إفريقيا ( بدءاً من ليبيا ، تونس ، الجزائر ، المغرب ، وصولاً إلى موريتانيا ) باسم " النقشة " .
وقد كانت هذه الظاهرة منتشرة بشكل واسع وعميق في العديد من الحضارات القديمة حول العالم ، وأبرزها :
الحضارة الفرعونية ( مصر القديمة ) : حيث عرف المصريون القدماء الوشم واشتهرت به النساء والكهنة ، ووجدت آثاره واضحة على المومياوات القديمة كرمز للحماية والارتقاء الروحي .
حضارات الشعوب الأفريقية القديمة : والتي اعتبرت الوشم والندوب الجسدية جزءاً أساسياً من طقوس العبور والانتماء القبلي .
الإمبراطورية الرومانية : والتي عرفت الوشم وتداوله ضمن سياقات متعددة تراوحت بين التقاليد القبلية ووسم بعض الفئات .
قبل أن يتطور كل ذلك في بيئات الريف والبادية الأردنية ليصبح علامة متميزة من علامات الذاكرة الاجتماعية وخطوطاً ناطقة بحكايات الزمن الجميل على أجساد الجدات والأمهات .
ثانياً : البادية والريف الأردني والبيئات المجاورة :
تُعد بيئة الريف والبادية الأردنية مسرحاً أساسياً لتجذر هذه العادات الأصيلة ، إلى جانب الارتباط الوثيق بالمنطقة المجاورة متمثلة في منطقة " اللجاه " ( تلك الأرض الصخرية البركانية الفريدة التي تقع في جنوب سوريا وتمتد بخصائصها الجغرافية والاجتماعية نحو الحدود الشمالية الأردنية لتشكل امتداداً لبيئة البدو الرحل وشبه الرحل ) . وتشير الدراسات والتوثيقات التاريخية إلى أن الغالبية العظمى من سكان تلك البقاع هم من البدو والريفيين الذين اعتمدوا بصورة أساسية في كسب أرزاقهم وتوفير قوت عيالهم على رعي المواشي ، وتربيتها ، والعناية بها ، مستجيبين لطبيعة الصحراء والريف التي فرضت أنماطاً حياتية واجتماعية وثقافية خاصة بهم ، كان على رأسها ظاهرة الوشم أو ما يُعرف محلياً بـ " الدق " .
ثالثاً : مفهوم " الدق " ودلالاته الاجتماعية والنفسية والعلاجية وآلية تنفيذه :
لم يكن الدق مجرد نقش عابر على الجلد ، بل كان ممارسة تراثية متكاملة تعكس فلسفة المجتمع البدوي والريفي الأردني ، وحكايات كفاح نساء عشن في ظروف قاسية لم تكن سهلة ، حاملات رسالة الصبر والجمال والارتباط العميق بالأرض والأسرة . عُرف الدق لغوياً بأنه " العلامة " ، واصطلاحاً هو غرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم ، ثم يُذرّ عليه مواد صبغية لتستقر رسوماً ثابتة لا يمحوها الزمن .
كيف كانت تتم عملية الدق أو الوشم ؟
اعتمد الأجداد في تنفيذ الوشم على أدوات يدوية بسيطة ومستمدة من البيئة الأردنية خالية من أي مواد مخدرة :
الأدوات المستخدمة : تمت عملية الوخز باستخدام مجموعة من الإبر ( يتراوح عددها غالباً بين 3 إلى 8 إبر ، وغالباً ما تكون 7 إبر في بعض مضارب البادية والريف ) مرتبطة معاً بحزم منتظم وثابت لتثقوب الجلد بدقة تتناسب مع حجم الرسم .
المواد الصبغية : استُخدم لللون الأخضر عشبة خاصة تُسمى " الغنج " أو مرارة الماعز المحفوظة خصيصاً لهذا الغرض للزينة والجمال ، بينما اعتمد اللون الأسود في بدايات البدو الرحل على " السماد " أو بقايا الدخان ، قبل أن يتطور مع نهاية القرن العشرين ليُعتمد على " سنا الصاج " ممتزجاً بالماء والزيت لدفع الحسد ، وفي البيئة الصخرية المجاورة للريف الأردني ، غلب استخدام الكحل المخلوط بالحليب أو الحبر الصيني .
آلية التنفيذ : قامت الوشامة بغرز الجلد المراد وشمه بالإبر المتجمعة حتى يخرج الدم ، ثم ذَرّت المادة الصبغية فوق الجروح وفركتها جيداً لتستقر تحت الجلد وتلتئم مخلفة رسوماً ثابتة بلون أخضر غامق أو أسود مميز .
هل كانت السيدة تقوم بذلك بنفسها أم نسوة يشتهرن بذلك ؟
لم تكن السيدة تقوم بذلك بنفسها مطلقاً ، بل كانت هناك نسوة متجولات يشتهرن بهذه الحرفة يُعرفن بـ " الوشامات " أو " الوشامات المتنقلات " أو ما يُعرف بالعامية بـ " النور " ( من أفرع الرحل أو الغجر والنور ، أو الفلاحات ) . كنّ يقمن بزيارة مضارب البدو والقرى الأردنية في فصل الربيع تحديداً قبيل موسم الزواج الصيفي . كانت العائلات تنتظر وصولهن بفارغ الصبر لكي لا تكبر الفتاة دون أن تتوشم ، حيث عُرفت هذه الصناعة شعبيّاً بـ " ذهب الفقراء " نظراً لاعتمادها على أدوات بسيطة وأجور عينية رمزية تتقاضاها الوشامة من رؤوس الماشية ، أو جلود الحيوانات ، أو الحبوب ، أو البيض ، أو اللبن ، أو السمن ، أو النقود .
ولطالما تباهت الجدات في الريف والبادية الأردنية — مثل الجدة " أم جمعة " التي تجاوزت الثمانين من عمرها وتستذكر بشغف تفاصيل ذلك اليوم حين أحضر والداها الوشامة لترسم الوشوم على وجهها وساقيها وأسوارة على يديها — بتلك الوشوم المرسومة على الوجوه والجباه والذقون والأيدي ، معتبرات إياها وسام جمال وعنواناً للأصالة والتميز بين أقرانهن .
تنوعت مقاصد الدق بين الجانب الجمالي ، والاجتماعي ، وحتى الوقائي والعلاجي في البيئة المحلية :
الغرض الجمالي : وُضعت النقوش على الوجه ( بين الحاجبين ، الخدود ، الأنف ، الذقن ) وعلى ظهر الكفين كأساور أو على القدمين كالخلخال لزيادة جمال المرأة . كما أن المرأة غير الواشمة كانت تُلقب محلياً بـ " الملطة " أو " السلقة " ، مما جعل الإقبال على الدق مطلباً عائلياً واجتماعياً ملحاً في القرى والبوادي الأردنية . وطال الوشم نسبة قليلة من الرجال أحياناً كرمز للفروسية والصلابة .
الغرض الطبي والصحي : استخدم أبناء البادية والريف الأردني الوشم كعلاج تقليدي ومخفف للآلام ، ومن أمثلته الشهيرة " الوشم ضد وجع الرأس " ، و " وشم الحلابات " الذي يُدق حول المعصم خصيصاً لمواجهة آلام اليد ومشاكلها الناتجة عن تكرار عملية حلب الماشية اليومية ، إضافة إلى الاعتقاد بأن مزيج النقاط على جانب الرأس أو فوق العينين يسهم في شفاء الأوجاع .
الغرض الوقائي والسحري ( دفع الحسد ) : كان يُدق عادة في أسفل القدم كتعويذة أو وسيلة وقائية ضد لدغات العقارب والأفاعي المنتشرة في طبيعة الصحراء والريف . كما استُخدم الدق الأسود خصيصاً للنساء شديدات الجمال لدفع الحسد والعين الحارقة ، وتوشم الأم ولدها الوحيد أحياناً ببعض النقاط دفعاً للحسد وحمايةً له .
أشارت الدراسات التراثية إلى أن المرأة الفتية في مجتمعاتنا كانت تبدأ بنقطة واحدة تحت " السيالة " مما يعني أنها أقل من عمر العشرين ، وكلما تقدمت في العمر أو دخلت مرحلة عمرية جديدة أضافت نقطة ، بينما دلّت الوشوم على المعصم على زواج المرأة .
عرفت نساء البادية والصحراء والقرى الأردنية بدقة تفاصيل الوشم ومواقعه على الوجه والأطراف ، حيث وصلت الرسومات إلى نحو ثلاثين رسمة ، حملت كل واحدة منها اسماً ودلالة خاصة مستمدة من البيئة المحلية :
الدبيب : خطوط الوشم المرسومة تحت الشفة السفلى أفقياً من زاوية الفم اليمنى إلى الزاوية اليسرى .
السيالة : الوشم الذي يُرسم بخط واضح من منتصف الشفة السفلى إلى منتصف الذقن .
الرثمة : وشم يكون في طرف الشفة وكان منتشراً بكثرة .
زلف ونقطة : وشم دقيق ومميز يُرسَم على الخد .
كحلة القطا ( أو دمعة القط ) : وشم فني يُدق على طرف العين لإبراز جمالها .
المشط : رسوم وشمية توضع على شكل نقاط مثلثية ومربعة تمتد من منطقة نهاية الشفتين يميناً ويساراً .
الردعة : أشكال دائرية تُرسَم في منطقة رأس الخد الأيمن والأيسر ، بينما تُدعى الأشكال ذات الطابع الطولي بـ " الضفدعة " .
الهلال والنجوم : يُرسم " الهلال " في منطقة التقاء الحاجبين ، بينما تُرسم في منطقة الجبين ثلاث حبات على شكل نجمة تُعرف بـ " النجوم " .
وشم الغزال : المرتبط بحياة البدو الذين اعتادوا على صيد الغزلان في البراري الأردنية كرمز للرشاقة والبيئة الصحراوية .
وشم " مخدة بنت الملك " : شكل هندسي تراثي شهير عادة ما يُدق على باطن الساعد .
رسومات أخرى : الورد ، القنطرة ، الدبيجة ، الثرية ، الشرابيات ، والبرواز ، فضلاً عن الأشكال المرسومة على الزند والرقبة والبطن والفك والصدر .
سادساً : بدائل " الدق " بين أصالة الماضي وتطور العصر الحديث :
مع انحسار ممارسة الوشم التقليدي " الدق " وتراجع حضوره في المجتمعات الريفية والبادية الأردنية ، برزت تساؤلات موضوعية حول البدائل التي عوّضت هذا الموروث الجمالي والاجتماعي :
طغيان مستحضرات التجميل الحديثة : لقد غطت أدوات المكياج الحديثة ومساحيق التجميل العصري بصورة شبه كاملة على الأغراض الجمالية للوشم ، حيث استبدلت نساء الأجيال اللاحقة النقوش الثابتة على الوجوه والشفاه بأدوات الزينة المؤقتة التي تتيح التجدد المستمر وتتناسق مع متطلبات الحياة المعصرية .
التحولات الفنية والتقنية ( التاتو المعاصر ) : على صعيد آخر ، لم يعد الوشم محصوراً في الأدوات البسيطة أو الدلالات القروية القديمة ، بل ظهرت في العصر الحديث تقنيات متطورة وأساليب فنية أكثر عصرية مثل " التاتو التجميلي " المطبق بدقة في المراكز المتخصصة ( كرسوم الحواجب الدائمة وتحديد الشفاه ) ، وهو ما يمثل امتداداً تقنياً وعصرياً بفلسفة مغايرة تماماً لواقع " الدق " القديم .
سابعاً : الأبعاد الروحية والدينية :
تأثر فن الوشم بالحضارة والدين في مجتمعنا الأردني والعربي ، فكانت النساء المسلمات يرسمن الأهلة والنجوم والرموز الهندسية الإسلامية البارزة في الفن الإسلامي ، بينما حفرت العديد من نساء البدو المسيحيين الصلبان تذكاراً للسيد المسيح . وفي المقابل ، على الرغم من حضور الوشم أو " الدق " كموروث اجتماعي وثقافي تقليدي واسع الانتشار في الريف والبادية ، إلا أن الشريعة الإسلامية حسمت موقفها الواضح منه بالمنع وتحريم إجرائه ، لما فيه من إحداث تغيير مقصود لخلق الله وإيلام للبدن بغير ضرورة ، استناداً إلى الأحاديث النبوية الشريفة وما أكدته دور الإفتاء الرسمية ( ومنها دائرة الإفتاء الأردنية ) . غير أن الفقه الإسلامي يقرر بقاعدة ميسرة أن من أجري له الوشم قديماً في صغره أو جهل بحكمه ثم تاب إلى الله ، فلا يجب عليه إزالة الوشم إذا كان في إزالته ضرر بالغ أو تشويه للجسد ، وتصح صلاته وعباداته ، ويكفيه الاستغفار والتوبة النصوح .
ثامناً : صدى الوشم في التراث والأغاني الشعبية والشعر :
خلد التراث الغنائي الأردني والبدوي الفتاة الموشومة في العديد من المواويل والأهازيج التي ما زالت الذاكرة الشعبية في القرى والبوادي ترددها باعتزاز ، ومن أبرزها :
" يا مدقدق بن عمي روح قليبي واه يابا وأنا عطشانة اسقيني من روس خدودك شرابا " *
" يا أبو خديد منقرش يا عذاب الشقاوي والله غيرك ما هاوي " *
كما احتفى الشعراء العرب القدامى بالوشم في شعرهم كرمز قوي للجمال ، إذ تشير المعلقات السبع مراراً إلى الوشم وصلته بالجمال ، مثل تشبيه الشاعر زهير بن أبي سلمى أرض حبيبته باليد الموشومة .
تاسعاً : الوشم في العصر الحديث : تحولات المعنى وانعكاسات الواقع ومخاطره الصحية :
تخطى الوشم المفاهيم التقليدية ليتحول في العصور الحديثة لدى بعض الفئات إلى أشكال تعبيرية وموضة فنية تتنوع فيها الرسومات والرموز كالحروف أو الأسماء أو الرموز التعبيرية والحيوانية والأشكال الهندسية والزخارف الملونة على أماكن مختلفة من الجسد كإشارة تميز شخصي أو موضة معاصرة . وفي هذا السياق المعاصر ، وثق الباحثون والمصورون هذا التحول في منطقتنا ، مبينين أن الوشم أصبح أكثر قبولاً وأقل حرمة لدى قطاعات من الشباب الذين يبدون أحياناً اهتماماً بنظرة الوالدين أكثر من اتباع التعاليم الحرفية ، بهدف مناهضة الصور النمطية الشائعة ، حيث يحمل الكثير من هذه الوشوم الحديثة معانٍ خاصة — مثل كلمة " حرية " — مما يعكس تحولات اجتماعية ملحوظة وانفتاحاً يعيد تشكيل فهم الثقافة العربية حول العالم .
من جهة أخرى ، وكما تشير التحقيقات الصحفية والدراسات المعاصرة ( ومنها التقارير المحلية حول مخاطر الوشم والتاتو ) ، فإن هذه الممارسة الحديثة باتت محفوفة بالمخاطر الصحية والجسدية نتيجة غياب الرقابة الطبية على بعض الصالونات ومراكز التجميل ، إذ تتسبب الإبر الملوثة والأصباغ غير الخاضعة للرقابة في نقل العدوى والأمراض الخطيرة ( مثل التهاب الكبد الوبائي ونحوه ) ، فضلاً عن احتمالية الإصابة بالتهابات جلدية حادة أو تقرحات وتشوهات تضر بصحة الإنسان . ومع تطور الأنماط الحياتية ، بدأت ثقافة الوشم التقليدي " الدق " تختفي شيئاً فشيئاً منذ سبعينات وثمانينات القرن العشرين في الريف والبادية الأردنية ، حتى إنه لم يبق في الأردن والمنطقة في مراحل لاحقة سوى قلة من المسنات أو سيدة واحدة في بعض مناطق البادية ، لتتحول تلك الخطوط المرسومة على وجوه الجدات إلى شواهد حية على صفحة تاريخ مفعم بالعراقة والكفاح ، تروي للأجيال قصة أمهات عظيمات صنعن المجد بصبرهن وإرادتهن .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) دراسات وبحوث الباحثة هيا الدعجة حول التراث الشعبي الأردني والوشم التقليدي .
2 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه : كتابات وأبحاث في تاريخ وتراث المكان الأردني والشمال .
3 ) توثيقات المقالات والمراجع التاريخية والتراثية .