لم يكن شارع الأعمدة في المدينة الأثرية بجرش مجرد ممرٍ لزوار مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين، بل تحول إلى فضاء إبداعي مفتوح يروي ملامح السردية الأردنية بريشة الفنانين وعدسات المصورين، حيث احتضن معرضاً فنياً ضم أكثر من ستين عملاً تشكيلياً وصوراً فوتوغرافية استحضرت تاريخ الأردن وهويته الوطنية، وسط إقبال لافت من الزوار الذين وجدوا في الأعمال المعروضة رحلة بصرية بين الماضي والحاضر.
وأكدت الفنانة التشكيلية غادة محمد حسين أبو ريا أن مشاركتها في مهرجان جرش تأتي للعام الثالث على التوالي من خلال جمعية جراسا للفنون التشكيلية، التي تتخذ من محافظة جرش مقراً لها، مشيرة إلى أن المهرجان يعد منصة وطنية مهمة لإبراز إبداعات الفنانين الأردنيين وتعريف الزوار بالحركة التشكيلية المحلية.
وأضافت أن أعمالها تنطلق من السردية الأردنية، وتوثق ملامح الحياة القديمة من خلال رسم البيوت التراثية التي تختزن ذاكرة المكان وقصص الأجداد، مبينة أنها تعتمد تقنية النحت البارز في تنفيذ لوحاتها، بما يمنحها بعداً مجسماً يحولها إلى أعمال فنية ثلاثية الأبعاد، ويضفي عليها عمقاً بصرياً يعكس أصالة العمارة الأردنية وجمال تفاصيلها.
من جانبه، أوضح الفنان طارق عتوم أن مشاركة جمعية جرش للفنون التشكيلية في الدورة الأربعين من مهرجان جرش جاءت لتقديم معرض يجسد الهوية الوطنية والسردية الأردنية، بمشاركة نخبة من الفنانين التشكيليين من مختلف محافظات المملكة، بما يعكس تنوع التجارب والمدارس الفنية الأردنية.
وقال إن المعرض يضم أكثر من ستين عملاً فنياً توزعت بين المدارس التكعيبية والتعبيرية والتجريدية، إلى جانب أعمال تناولت تاريخ الأردن وإنجازاته، وأبرزت الدور التاريخي للهاشميين في مسيرة البناء والنهضة، من خلال لوحات حملت رسائل وطنية وثقافية وإنسانية.
وأضاف أن المعرض يشتمل كذلك على مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي حملت عنوان "السردية الأردنية"، ووثقت محطات تاريخية يعود بعضها إلى أكثر من سبعين وثمانين عاماً، لتشكل سجلاً بصرياً يحفظ الذاكرة الوطنية ويقدمها للأجيال الجديدة وزوار المهرجان بأسلوب فني مؤثر.
وأشار عتوم إلى أن عدداً من الفنانين قدموا أعمالاً اعتمدت تقنيات فنية معاصرة، من أبرزها تقنية الكولاج (اللصق)، التي أضفت أبعاداً جمالية وإبداعية على اللوحات، وأسهمت في تقديم رؤى تشكيلية حديثة تجمع بين الأصالة والتجديد.
وبين أن جمعية جرش للفنون التشكيلية تحرص على المشاركة في مهرجان جرش منذ ما يقارب خمسة عشر عاماً، إيماناً منها بدور المهرجان في دعم الحركة الفنية الأردنية، وإتاحة الفرصة أمام الفنانين لعرض أعمالهم أمام جمهور محلي وعربي ودولي.
وفي ختام حديثهما لنيروز الاخبارية، أعربت الفنانة التشكيلية غادة محمد حسين أبو ريا والفنان التشكيلي طارق عتوم عن شكرهما وتقديرهما لإدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون، ممثلة بالمدير التنفيذي للمهرجان المستشار يزن الخضير، ولرئيس لجنة بلدية جرش الكبرى محمد بني ياسين، على ما قدماه من دعم واهتمام وتعاون أسهم في إنجاح المعرض وتوفير البيئة المناسبة للفنانين التشكيليين لعرض أعمالهم أمام جمهور المهرجان، مؤكدين أن هذا الدعم يعزز حضور الفن التشكيلي الأردني ويكرس مكانة مهرجان جرش بوصفه منصة وطنية للإبداع والثقافة.
ويؤكد معرض شارع الأعمدة أن الفن التشكيلي الأردني لم يعد مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل أصبح لغة وطنية توثق التاريخ، وتحفظ الذاكرة، وتعكس هوية المكان والإنسان. وبين حجارة جرش العريقة ولوحات الفنانين، تتجسد رسالة مهرجان جرش في الجمع بين التراث والإبداع، ليبقى المهرجان نافذة حضارية تعكس ثراء المشهد الثقافي الأردني وتبرز إبداع فنانيه أمام العالم.