في تجربة ثقافية فريدة تمزج بين التاريخ والإبداع، نجحت مؤسسة جبل الفيروز، وهي مؤسسة أردنية غير ربحية تُعنى بصون التراث الثقافي والحرف اليدوية، في إعادة إحياء منطقة الملحمة (المَكِلِم) داخل مدينة جرش الأثرية، بعد آلاف السنين من السبات، محولةً إياها إلى فضاء تفاعلي يعيد تقديم الحرف التقليدية الأردنية بروح معاصرة ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين.
وتعد هذه المشاركة الأولى للمؤسسة في مهرجان جرش، بالتعاون مع إدارة المهرجان ومهرجانات الأردن، انطلاقاً من رؤية تؤمن بأن المهرجان يمثل منصة وطنية لإبراز الهوية الثقافية الأردنية وإحياء الموروث الحضاري بأساليب مبتكرة.
واستوحت المؤسسة فكرتها من تاريخ الملحمة (المَكِلِم)، التي كانت في العصر الروماني جزءاً من السوق التجاري لمدينة جرش، حيث ازدهرت الحركة التجارية والحرفية، لتعيد اليوم تخيل المكان كما لو أنه لم يتوقف عن أداء دوره الحضاري، من خلال ورش وعروض حية تجعل الزائر جزءاً من التجربة.
وفي قلب الموقع نُصب نول أرضي مستوحى من الأنوال القديمة التي استخدمت في نسج البسط، حيث يشارك زوار المهرجان، من مختلف الأعمار، في نسج قطعة فنية واحدة تكتمل مع نهاية أيام المهرجان، في عمل جماعي يجسد المشاركة المجتمعية واستمرارية التراث.
وتوزعت في أروقة الملحمة مجموعة من الحرف الأردنية الأصيلة، شملت نفخ الزجاج الذي يقدمه الحرفي عمر، أحد آخر الحرفيين الذين يمارسون هذه المهنة في جرش، إلى جانب مشغولات الجلد الطبيعي التي ينفذها شباب مشروع "جراسا"، وفنون طرق النحاس، ومعروضات من الخزف والسيراميك من مادبا.
كما عرضت المؤسسة مجوهرات فضية صممها متدربوها، في إطار برامجها الهادفة إلى إعداد جيل جديد من الحرفيين، فيما شاركت سيدات من جمعية ريمون في جرش بعرض البسط والمنسوجات اليدوية دعماً لجهودهن في المحافظة على هذه الحرفة التراثية.
وشهد المعرض أيضاً جناحاً للصابون التقليدي، يتيح للزوار ختم قطع الصابون بأنفسهم، إضافة إلى جناح لمركز "طراز" يضم شاشة تفاعلية تعرف الزائر بالأثواب التراثية في بلاد الشام، ونقوشها، ومناطق انتشارها، وقيمتها التاريخية.
وترافق المعرض مع ورش عمل تفاعلية مجانية في صياغة النحاس، وموزاييك الخشب، فيما تتواصل خلال الأيام المقبلة ورش للنحت على الحجر والنحاس، بحيث يغادر المشاركون وهم يحملون أعمالاً صنعوها بأيديهم، إلى جانب تجربة معرفية تعزز ارتباطهم بالحرف والتراث الأردني.
وأكدت المؤسسة أن رسالتها لا تقتصر على عرض المنتجات التراثية، بل تمتد إلى توثيق الحرف التقليدية، ودعم الحرفيين، ونقل الخبرات إلى الأجيال الجديدة، وتعزيز الوعي بأهمية التراث الثقافي بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية.
وتعد الملحمة (المَكِلِم) من المواقع التاريخية المهمة في مدينة جرش الأثرية، إذ شكلت في العهد الروماني جزءاً من السوق التجاري الذي احتضن الحرفيين والتجار، وشهد نشاطاً اقتصادياً واجتماعياً مزدهراً، لتعود اليوم، عبر هذه المبادرة، إلى أداء دورها كمكان يجمع الناس حول الإبداع والثقافة، في مشهد يجسد التقاء الماضي بالحاضر.
وتؤكد هذه المبادرة أن مهرجان جرش لم يعد يقتصر على العروض الفنية، بل أصبح مشروعاً ثقافياً وطنياً يسهم في إحياء الذاكرة التاريخية، وصون الحرف التقليدية، وتعريف آلاف الزوار من الأردن وخارجه بثراء التراث الأردني وأصالته، من خلال تجارب تفاعلية تجعل الجمهور شريكاً في صناعة المشهد الثقافي.