وسط أروقة المدينة الأثرية في جرش، استوقف مجسمٌ مضيء لقبة الصخرة آلاف الزوار، ليس فقط لجماله ودقة تفاصيله، بل لأنه يحمل قصة إبداع ورسالة بيئية ووطنية في آن واحد. فالعمل الفني الذي أبدعه الفنان التشكيلي الأردني غسان العياصرة لم يُصنع من مواد ثمينة، وإنما من مخلفات كانت في طريقها إلى سلة المهملات، لتتحول بين يديه إلى لوحة فنية تنبض بالحياة، وتؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر على صناعة الجمال من أبسط الإمكانات.
وأوضح العياصرة أن المجسم تبلغ مساحته 170 × 170 سم، ويصل ارتفاعه إلى ما بين 100 و120 سم، وقد صُنع من مخلفات الخشب الناتجة عن أعمال النجارة، وزُيّن بحبات الزيتون ونوى التمر وبذور النباتات، في تجربة فنية فريدة تؤكد أن إعادة التدوير يمكن أن تتحول إلى عمل إبداعي يحمل أبعاداً ثقافية ووطنية وإنسانية.
وأكد أن رسالته الأساسية لزوار مهرجان جرش تتمثل في أن الفن قادر على خدمة البيئة، وأن ما يعتبره البعض نفايات يمكن أن يصبح عملاً فنياً ذا قيمة جمالية واقتصادية، مضيفاً أن إعادة تدوير المخلفات لا تسهم فقط في الحد من التلوث البيئي، بل تفتح أيضاً أبواباً جديدة لتحسين دخل الأسر، وتحويل الهواية إلى مشروع إنتاجي ناجح.
وأشار إلى أن هذه الحرفة غيّرت حياته، إذ استطاع مضاعفة دخله عدة مرات من خلال تحويل المخلفات إلى تحف فنية، لافتاً إلى أن أحد أعماله بيع قبل سنوات بمبلغ سبعة آلاف دينار، فيما يقدّر قيمة هذا المجسم اليوم بما بين 15 و20 ألف دينار.
وأضاف أن منزله أصبح خالياً تقريباً من النفايات، لأن معظم ما يُستهلك فيه يعاد توظيفه وتحويله إلى أعمال فنية، داعياً الجميع إلى تبني ثقافة إعادة الاستخدام والتدوير، ومؤكداً أن تعلم هذه الحرفة ليس حكراً على الفنانين، بل يمكن لأي شخص اكتسابها وتحويلها إلى مصدر دخل.
ووجّه العياصرة رسالة مباشرة قال فيها: "لا تُلقِ شيئاً... لأنك عندما تلقيه فإنك تلوّث البيئة، وتخسر في الوقت نفسه فرصة للاستفادة منه."
وعن اختياره لقبة الصخرة تحديداً، أوضح أن العمل يحمل بعداً روحياً ووطنياً، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، مؤكداً أن هذا المعلم الإسلامي سيبقى رمزاً خالداً في وجدان الأمة، وأنه مهما اشتدت التحديات فلن يفقد مكانته في قلوب المسلمين، مشيراً إلى الدور التاريخي للوصاية الهاشمية في حماية ورعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
كما أعرب العياصرة عن شكره وتقديره لإدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون على إتاحة الفرصة له ولزملائه الفنانين التشكيليين لعرض أعمالهم وإبداعاتهم أمام جمهور واسع من داخل الأردن وخارجه، مؤكداً أن المهرجان يشكل منصة ثقافية ووطنية مهمة لدعم الحركة الفنية الأردنية والتعريف بإبداعات الفنانين. كما أشاد بحسن التنظيم الذي شهده المهرجان هذا العام، وما وفرته الإدارة من بيئة مناسبة للفنانين والزوار، الأمر الذي أسهم في إبراز الأعمال الفنية بصورة تليق بمكانة مهرجان جرش بوصفه أحد أبرز المهرجانات الثقافية والفنية في المنطقة.
ويُعد هذا المجسم من أجمل اللوحات الفنية المعروضة في جناح الفنانين التشكيليين بشارع الأعمدة ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون، حيث يحظى بإقبال كبير من الزوار الذين يتوقفون لالتقاط الصور والتأمل في تفاصيله الدقيقة، لما يجمعه من قيمة فنية ورسائل بيئية ووطنية وإنسانية.
ويؤكد هذا العمل أن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل رسالة وطنية وإنسانية تعكس أصالة الأردن وإبداع أبنائه، وتبرز قدرة الفنان الأردني على توظيف التراث والبيئة في خدمة القضايا الوطنية والقومية. كما يجسد ارتباط الأردنيين العميق بالقدس الشريف وقبة الصخرة، التي ستبقى رمزاً للعزة والكرامة في ظل الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ويعكس الصورة الحضارية للأردن الذي يجمع بين الإبداع، والمحافظة على البيئة، والتمسك بالهوية العربية والإسلامية، ليبقى مهرجان جرش منبراً للفن الهادف ورسالةً ثقافيةً ووطنيةً تصل إلى العالم بأسره.