يبدو أن الصين قد تصبح مستقبلاً أكبر مصدر في العالم للمنتجات والخدمات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. ليس فقط عبر تصدير الخدمات نفسها، بل أيضاً من خلال تصدير المعايير التقنية التي ستحدد كيفية عمل هذه الخدمات في الأسواق الدولية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، ما أورده تقرير مجلة الإيكونوميست البريطانية، عن سيارات الأجرة ذاتية القيادة التي تستعد للانطلاق في عدد من كانتونات شرق سويسرا مطلع العام المقبل.
ووفقا للتقرير، أعلنت شركة PostBus السويسرية للنقل العام تعاونها مع Apollo Go، مشغل سيارات الأجرة ذاتية القيادة المملوك لشركة التكنولوجيا الصينية بايدو (Baidu)، في خطوة تعكس توسع شركات الذكاء الاصطناعي الصينية خارج حدودها بوتيرة متسارعة.
ولا يمثل المشروع السويسري حالة استثنائية، بل يأتي ضمن عشرات المشروعات التي ظهرت خلال العامين الماضيين في دول مختلفة، حيث يكون الركاب من سنغافورة أو سلوفاكيا، بينما تأتي التكنولوجيا والبرمجيات والبيانات التي تتحكم في السيارات من الصين.
وتشير بيانات شركة الأبحاث الصينية EqualOcean إلى أن أكثر من 70 شركة صينية متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المادي أنشأت عمليات تشغيل خارج الصين، فيما تستعد نحو 20 شركة أخرى لدخول الأسواق الدولية.
وتدير بعض هذه الشركات، مثل Neolix المتخصصة في الخدمات اللوجستية ذاتية القيادة، عملياتها بالفعل في عشرات الدول، بينما تتقدم الشركات الصينية بسرعة على منافسيها الأمريكيين في سباق التوسع الخارجي. ففي المقابل، ركزت شركات مثل Waymo، التابعة لشركة Alphabet، على ترسيخ وجودها داخل السوق الأمريكية، ولم تبدأ إلا مؤخراً في التوسع إلى أسواق دولية.
وتبدو الأسواق الخارجية أكثر جاذبية، خاصة إذا تمكنت الشركات الصينية من نشر التكنولوجيا منخفضة التكلفة والبيانات التي طورتها داخل الصين في دول تسمح بتحصيل رسوم خدمة أعلى بكثير.
ويضرب التقرير مثالاً واضحاً على ذلك، إذ تبلغ تكلفة رحلة بسيارة أجرة لمسافة 10 كيلومترات في مدينة ووهان نحو 23 يواناً فقط، أي ما يعادل 3.40 دولار، بينما تصل تكلفة الرحلة نفسها في سانت جالن بشرق سويسرا إلى نحو 44 فرنكاً سويسرياً، أي حوالي 54 دولاراً.
ويرى التقرير أن هذا الفارق الكبير في الأسعار يفسر تركيز الشركات الصينية حالياً على التوسع الخارجي أكثر من اهتمامها بالسوق المحلية. كما توقفت بايدو عن نشر تحديثات حول حجم أساطيلها داخل الصين، وأصبحت تركز في بياناتها الرسمية على أنشطتها الدولية.
نقل التكلفة الاجتماعية للذكاء الاصطناعي
وفي الوقت نفسه، تشجع الحكومة الصينية زيادة صادرات الذكاء الاصطناعي، لكنها تحرص أيضاً على تجنب أي انطباع بأن التكنولوجيا تؤدي إلى فقدان الوظائف، بالتزامن مع سعيها لتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.
وفي أبريل/نيسان الماضي، أصدرت إحدى المحاكم الصينية حكماً لصالح موظف رفع دعوى ضد صاحب عمله بعد أن فقد وظيفته بسبب الذكاء الاصطناعي. كما أكدت لجنة رقابية وطنية أن الشركات لا ينبغي أن تستخدم التكنولوجيا بهدف استبدال البشر.
وترى أنجيلا تشانغ، الأستاذة في جامعة جنوب كاليفورنيا، أن تصدير خدمات الذكاء الاصطناعي أصبح الوسيلة الرئيسية التي تمكن الصين من نقل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية للتوسع السريع في هذه التكنولوجيا إلى الخارج.
ويشير التقرير إلى أن كثيراً من الدول الغربية تعاني نقصاً في العمالة المحلية، بينما يعتمد عدد كبير من سائقي سيارات الأجرة فيها على العمالة المهاجرة، وهو ما قد يجعل الخدمات الصينية أكثر قبولاً.
ويرى التقرير أن تصدير خدمات الذكاء الاصطناعي يحقق للصين ثلاثة أهداف في وقت واحد؛ فهو يوفر للشركات مصادر جديدة للأرباح، ويجنب الحكومة الاستياء الاجتماعي المرتبط بفقدان الوظائف، كما يساعد بكين على الحفاظ على نموذجها الاقتصادي القائم على التصدير في وقت أصبحت فيه الأسواق العالمية أكثر تشبعاً بالسلع الصينية، واتجهت دول عديدة إلى إقامة حواجز تجارية.
وقد تضاعفت صادرات الصين من الخدمات، بعد احتساب التضخم، لتصل إلى 510 مليارات دولار سنوياً بين عامي 2015 و2025، بينما ارتفعت صادرات السلع، وهي الأكبر حجماً، بما يزيد قليلاً على 40% فقط خلال الفترة نفسها.
ويتوقع التقرير أن يشكل الذكاء الاصطناعي، سواء في صورة سيارات أجرة ذاتية القيادة أو خدمات الحوسبة السحابية أو روبوتات الدردشة، جزءاً متزايداً من تجارة الخدمات الصينية.