مع تكرار ظهور الثعابين في عدد من المناطق خلال موجات الحر، تكشف الدراسات العلمية كيف تؤثر درجات الحرارة المرتفعة في سلوك الزواحف، ولماذا تزداد احتمالات اقترابها من البشر.
في أواخر عام 2023، تداولت وسائل الإعلام الأسترالية تقارير تحذر من تزايد نشاط الثعابين في جنوب شرق ولاية كوينزلاند، تزامنًا مع ارتفاع درجات الحرارة والطقس الدافئ والمواسم الممطرة التي سبقت تلك الفترة، وهو ما وفر بيئة مثالية لتكاثر الثعابين وانتشارها على نطاق واسع.
حتى إن صيادي الثعابين في بعض الولايات الأسترالية صرحوا لوسائل الإعلام بأنهم تلقوا أعدادًا أكبر من البلاغات مع استمرار الطقس الدافئ والجاف.
وأثارت هذه الوقائع حالة من القلق آنذاك، لكنها طرحت أيضًا سؤالًا مهمًا: ما العلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة أو الظروف المناخية وظهور الثعابين والزواحف عمومًا؟ وماذا تقول الدراسات العلمية في هذا الشأن؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من فهم طبيعة الزواحف، ولا سيما الثعابين.
نشاط أعلى؟
يُعد ثعبان مونبلييه أحد أشهر الثعابين في منطقة البحر المتوسط، كما يُصنف ضمن أكبر أنواع الثعابين فيها. وبصفته من الزواحف ذات الدم البارد، فإنه يعتمد في تنظيم حرارة جسمه على درجة حرارة البيئة المحيطة.
ودفع ذلك فريقًا بحثيًا إلى دراسة تأثير الاحتباس الحراري في فترة نشاط هذا الثعبان بجنوب شرق إسبانيا. واعتمدت الدراسة، المنشورة في دورية Climatic Change في أغسطس/آب 2009، على بيانات ميدانية امتدت 22 عامًا، خلال الفترة من 1983 إلى 2004، حيث حلل الباحثون سجلات ظهور الثعابين وقارنوها ببيانات درجات الحرارة السنوية.
وأظهرت النتائج أن متوسط درجات الحرارة في المنطقة ارتفع بمعدل 0.07 درجة مئوية سنويًا خلال فترة الدراسة، كما تبين أنه كلما ارتفعت درجات الحرارة، ازدادت مدة النشاط السنوي للثعابين. وأكد الباحثون أن ارتفاع الحرارة يمثل العامل الرئيسي المرتبط بهذه الظاهرة.
ويرى الباحثون أن زيادة فترة نشاط الثعابين قد تمنحها وقتًا أطول للبحث عن الغذاء، ما يعزز فرص النمو والتكاثر، وبالتالي قد يؤدي إلى زيادة أعدادها في البيئة. ومع ذلك، فإن التأثير لا يكون متشابهًا لدى جميع أنواع الزواحف، إذ قد لا تستفيد بعض الأنواع الأخرى من ارتفاع درجات الحرارة بالطريقة نفسها.
وتُعد هذه الدراسة من أوائل الدراسات طويلة الأمد التي أثبتت وجود علاقة بين التغير المناخي وتوقيت ودورة نشاط الزواحف، مؤكدة أن الكائنات ذات الدم البارد، مثل الثعابين، تستجيب لارتفاع درجات الحرارة بزيادة مدة نشاطها السنوي، وهو ما يفسر تزايد ظهورها.
مواجهة الإنسان
ورغم أن الدراسات تشير إلى أن الثعابين تميل إلى البحث عن ملاجئ آمنة خلال موجات الحر الشديدة، فإن احتمالات ظهورها أو التقاءها بالبشر قد ترتفع نتيجة مجموعة من العوامل غير المباشرة، من بينها خروجها خلال ساعات الفجر أو بعد غروب الشمس عندما تنخفض درجات الحرارة، أو بحثها عن الماء والغذاء، فضلًا عن محاولتها الهروب من جحورها التي أصبحت شديدة السخونة إلى أماكن أكثر برودة.
وفي هذا السياق، تقول عالمة الأحياء البرية الإندونيسية والمتخصصة في البرمائيات والزواحف، الدكتورة ميرزا كوسريني، لـ"العين الإخبارية": "تميل الثعابين إلى الخروج من جحورها، وقد تدخل منازل السكان، خاصة خلال موسم التزاوج الذي يتزامن مع موسم الأمطار والطقس الحار".
وأضافت: "إذا كان الثعبان من نوع الكوبرا، فقد تصبح المخاطر أكبر، إذ قد ترتفع معدلات لدغات الثعابين نتيجة زيادة احتمالات التقائها بالبشر".
ماذا يحدث في مصر؟
وخلال الفترة الأخيرة، رصدت تقارير محلية ظهورًا متزايدًا للثعابين في عدد من المناطق المصرية، تزامنًا مع موجات الحر الشديدة، وهو ما أسفر عن وقوع حالات وفاة وإصابات بسبب لدغات الثعابين.
ففي محافظة الشرقية، أعلنت مستشفيات محلية، من بينها مستشفى بلبيس، استقبال أربع حالات لدغات أو اشتباه في لدغات ثعابين خلال أيام قليلة، كما استقبلت مستشفى منيا القمح 12 حالة بين لدغات مؤكدة وحالات اشتباه خلال فترة زمنية قصيرة، وجميعها تزامنت مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
وتوضح الدكتورة ميرزا كوسريني: "تنتشر ثعابين الكوبرا بكثرة بالقرب من المناطق الحضرية، لكنها عادة ما تبقى مختبئة. وعندما تتعرض للإزعاج من السكان، فإنها تبحث عن مكان آخر أكثر أمانًا، وقد يكون ذلك داخل فناء المنزل أو حتى داخله. وأعتقد أن الوضع في مصر قد يكون مشابهًا".
وتشير هذه المعطيات إلى أن مواجهة الإنسان للثعابين خلال موجات الحر لا تعني بالضرورة زيادة عدوانيتها، بل ترتبط غالبًا بهروبها من الجحور الساخنة، أو بحثها عن الماء والغذاء، أو نشاطها خلال موسم التزاوج. وعندما تلجأ إلى المناطق السكنية أو تقترب من أماكن وجود البشر، ترتفع احتمالات اللقاء، وقد تتطور بعض هذه المواجهات إلى لدغات خطيرة.