وقف الطفل أحمد (اسم مستعار)، ذو الأعوام العشرة، أمام إحدى الإشارات الضوئية في عمّان يبيع علب المناديل ليساعد أسرته. لم يكن يعلم أن أحد المارة أخرج هاتفه وصوّره لدقائق، ثم اقترب منه وسأله بعض الأسئلة التي بدت عفوية، قبل أن ينشر المقطع على إحدى منصات التواصل بعنوان: «شاهدوا كيف يعيش أطفالنا».
خلال ساعات قليلة حصد الفيديو آلاف المشاهدات، وتدفقت التعليقات بين متعاطف وساخر، ووصل المقطع إلى مدرسة الطفل، فأصبح زملاؤه يرددون ما جاء فيه، وبدأ يشعر بالخجل من الذهاب إلى المدرسة، بينما لم تحصل أسرته على أي مساعدة تذكر، وكل ما بقي هو صورة طفل انتشرت في الفضاء الإلكتروني دون أن يستأذن أحد والديه أو يفكر بما سيتركه ذلك من أثر في نفسه.
لم تكن هذه الحادثة الوحيدة. ففي أكثر من مناسبة انتشرت مقاطع لأشخاص من ذوي الإعاقة أثناء وجودهم في الأسواق أو المواصلات أو الحدائق العامة، بعضهم كان يتصرف بعفوية، وبعضهم كان يمر بلحظة إنسانية خاصة، لكن الكاميرات حولتهم إلى مادة للتداول، تحت عناوين تزعم نشر الإنسانية، بينما كانت في الحقيقة تنتهك أبسط حقوقهم في الخصوصية والكرامة.
رأي قانوني
أكدت المحامية عنان عبندة أن المشرّع الأردني أولى الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة حماية قانونية خاصة، تقوم على صون الكرامة الإنسانية ومنع أي شكل من أشكال الاستغلال أو الانتقاص من الحقوق.
وأوضحت أن قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017 ألزم في المادة (40) الجهات الإعلامية باحترام كرامة الأشخاص ذوي الإعاقة، والامتناع عن تكريس الصور النمطية أو نشر أي مضمون من شأنه الانتقاص من حقوقهم أو المساس بكرامتهم. كما أكدت الفقرة (ج) من المادة (41) من القانون ذاته ضرورة مكافحة الصور النمطية والمفاهيم المغلوطة عن الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، وهو ما يعني أن تصويرهم أو نشر صورهم بطريقة استغلالية أو بهدف تحقيق الانتشار والمشاهدات يتعارض مع الغاية التي أرادها المشرّع من هذه النصوص.
وأضافت عبندة أن الحماية القانونية تمتد كذلك إلى الأطفال؛ إذ نص قانون حقوق الطفل رقم (17) لسنة 2022 في المادة (8) على حق الطفل في حماية حياته الخاصة وصون كرامته، بما يحظر أي ممارسات تمس خصوصيته أو تستغل صورته دون مبرر مشروع.
أما فيما يتعلق بالنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فأشارت إلى أن قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 يوفر حماية قانونية للحياة الخاصة، وقد تنطبق أحكامه على من يقوم بتصوير طفل أو نشر صوره أو بياناته الشخصية إلكترونيًا إذا شكّل ذلك اعتداءً على خصوصيته أو تسبب له بضرر، وذلك بحسب ظروف كل حالة وطبيعة الفعل المرتكب.
وشددت المحامية عبندة على أن نشر صور الأطفال أو الأشخاص ذوي الإعاقة بطريقة تمس كرامتهم أو تستغل إعاقتهم أو ظروفهم الإنسانية يُعد فعلًا غير مشروع، لمخالفته أحكام القوانين النافذة، وقد يرتب مسؤولية قانونية تشمل التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية، ويمنح المتضرر أو وليه الشرعي الحق في المطالبة بحقوقه أمام القضاء.
خبير اجتماعي
من جانبه أكد الخبير الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي أن أخطر ما أوجدته وسائل التواصل الاجتماعي هو تحويل معاناة الإنسان إلى «محتوى»، موضحا أن البعض لم يعد يرى أمامه طفلًا يحتاج إلى حماية، أو شخصًا من ذوي الإعاقة يحتاج إلى احترام، بل يرى فرصة للحصول على آلاف المشاهدات والإعجابات.
وقال الخزاعي إن الطفل الذي تنتشر صورته دون إذن منه أو من ذويه وهو في موقف ضعف قد يحمل هذا العبء النفسي سنوات طويلة، وقد يتعرض للتنمر أو الوصم الاجتماعي، بينما يشعر الشخص ذو الإعاقة بأنه أصبح موضع شفقة أو فرجة بدل أن يكون مواطنًا كامل الحقوق. كما أن تكرار هذه السلوكيات يضعف حس التعاطف الحقيقي في المجتمع، ويستبدله بثقافة الاستعراض الإلكتروني.
وذكر الخزاعي أن العمل الإنساني لا يحتاج إلى كاميرا، بل يحتاج إلى ضمير. ويمكن مساعدة المحتاجين، أو تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية، دون كشف هويات الأطفال أو تصوير الأشخاص في لحظات ضعفهم، ودون تحويل كرامتهم إلى وسيلة لتحقيق الانتشار.
«ضغطة ضمير»
لقد منحت الهواتف الذكية الجميع القدرة على التصوير، لكنها لم تمنح أحدًا الحق في انتهاك خصوصية الآخرين.
وبين ضغطة زر تنشر صورة، وضغطة ضمير تمنع نشرها، يبقى الفرق هو مقدار إنسانيتنا. فكرامة الإنسان ليست «محتوى»، والطفولة ليست وسيلة لجمع المشاهدات، وذوو الإعاقة ليسوا مادة للعرض، بل هم مواطنون يستحقون الاحترام والحماية قبل أي شيء آخر.كامل نصيرات "الدستور"