شهدت منصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام مؤخرًا نقاشًا وجدلًا حول تصريحات نُسبت لشخصية تقلدت مناصب رفيعة، ينقل فيها رواية عن والدته تنصحه بعدم الذهاب إلى الأردن قديمًا لأن حماماتهم خارج المنازل، وهو الحديث الذي يستدعي وقفة موضوعية متداخلة تعيد قراءة الثقافة السكنية والوعي الصحي للشعب الأردني عبر التاريخ، وتفند في الوقت ذاته أي محاولة للانتقاص من قيمته أو المساس بكرامته وثوابته الوطنية. إن بناء "بيت الخلاء" أو "الحمام" أو "بيت الراحة" بعيدًا عن المستقر السكني الرئيسي أو مضافات الاستقبال لم يكن يومًا عيبًا أو دليلًا على قلة الإمكانيات، بل كان تجسيدًا لوعي صحي متقدم وفطرة بيئية سليمة سبقت بها المجتمعات الأردنية القديمة الكثير من النظريات الحديثة، حيث كان الأردنيون يدركون بفطرتهم أن حصر الفضلات وما تحتويه من قاذورات وروائح بعيدًا عن أماكن الطهي والنوم والمعيشة يحمي الأسرة من الأمراض وينأى بها عن مسببات التلوث، فضلاً عما يمثله هذا النمط المعماري من إكرام للضيف وتوفير للراحة والخصوصية التامة له عند النزول، وهو من أعلى درجات الحشمة والوقار المتبادل التي سار عليها أبناء الشعب الأردني طيلة عقود وتماشيت مع نمط الحياة السائد وطبيعة المواد الإنشائية المتاحة آنذاك.
ومع تطور التاريخ والحضارة، وامتزاج الشعب الأردني بالثقافات الأخرى وتطور نظم العمران، انتقلت هذه المرافق لتصبح داخل المنازل بتصاميم حديثة في مسار طبيعي للنمو البشري والتطور المعماري العالمي الذي شهدته معظم دول العالم في فترات تاريخية متقاربة، ولذلك فإن أي حديث يُراد منه التقليل من شأن الشعب الأردني أو الغمز من قناة ماضيه وعاداته هو حديث مرفوض جملة وتفصيلًا ولا قيمة له، فالشعب الأردني شعب عظيم، محترم، مقدر، بنى كرامته وعزته بعرق أبنائه وتضحياتهم، وهو وطن وإن كان صغيرًا في حجمه وجغرافيته إلا أنه عظيم في إنجازاته ومواقفه وثباته، شعب لا يعرف حدود الجغرافيا عندما يتعلق الأمر بالواجب القومي، فاهتمامه بالشؤون والقضايا العربية ثابت راسخ، وجيشه الباسل هو "الجيش العربي المصطفوي" الذي قدم دماءه على أسوار القدس وفي مختلف ميادين الشرف دفاعًا عن الأمة، مثلما تميزت الدولة الأردنية طيلة مسيرتها تحت قيادتها الهاشمية الحكيمة بأنها كانت على الدوام واحة أمن وملاذًا لكل الهجرات العربية ولكل مستجير أو مضطهد، بناءً على نظام شرعي وتأسيس وطني متين لم يأتِ يومًا على ظهر دبابة أو عبر انقلاب عسكري، بل قام على التلاحم العضوي لبناء مملكة القانون والمؤسسات.
وفي ظل هذا التداخل بين عبق التاريخ الناصع ومتطلبات الحاضر، وتفاديًا لأي لغط تنقله وسائل التواصل الاجتماعي، تبرز المسؤولية الوطنية الكبرى الملقاة على عاتق وسائل الإعلام قبل نشر أي مقالات أو مقابلات مع أي من الأشخاص، حيث يتوجب عليها انتقاء ومراقبة ما يساعد على تجسيد اللحمة الأردنية وتوطينها لا إثارة الفتن والقلاقل أو النعرات بين أوساط المجتمع الأردني المتماسك، وتجنب كافة الألفاظ التي تحاول الإساءة إلى تاريخ هذا الشعب العظيم الذي سيظل دائمًا ثابتًا وفي مقدمة الشعوب العربية بأصالته ووعيه وإرثه الإنساني والصحي الشامخ الذي يبعث على الفخر والاعتزاز.