في مشهدٍ يبعث على الأسى ، يطلّ علينا الدكتور جواد العناني بين الحين والآخر بتصريحاتٍ تتسم بسطحية الطرح ، وتكشف عن فجوةٍ سحيقةٍ بين " نخبةٍ " فقدت بوصلة الانتماء ، وبين واقعٍ أردنيٍّ ضاربٍ في عمق التاريخ . إنَّ حديثه الأخير الذي استحضر فيه " حمامات البيوت الخارجية " لم يكن مجرد استدعاء للذاكرة ، بل كان محاولةً بائسةً لتحجيم إنجاز وطنٍ لم يجد فيه الدكتور العناني - رغم ما ناله من حظوة ومناصب رفيعة - إلا فرصةً للسخرية من بساطة التأسيس التي سبقت حضارته .
عراقةٌ تسبق " الاستعلاء " : درسٌ في التاريخ :
يغيبُ عن ذهن الدكتور ، الذي يبدو أنه يرتدُّ في تصريحاته كلما حاولنا وضعه في موقعه اللائق ، أنَّ هذا الشعب الذي يعيّرُه بظروف نشأته ، هو ذاته من وضع أولى لبنات الحضارة الإنسانية . فبينما كان الأجداد في قرية " الشبيكة " شرق المفرق قبل 14,500 عام يخبزون أول رغيف خبز في تاريخ البشرية ، كانت الحضارة تُصاغ في جغرافيا هذا الوطن بأيدي أناسٍ لم يعرفوا " الاستعلاء " على شظف العيش ، بل قهروا الجغرافيا بالإرادة . وإذا كان الدكتور لا يعلم بالحضارات التي تعاقبت على الأردن وأنجزت معجزاتٍ منذ أقدم العصور التاريخية ، فإنه يتجاهلُ إرثاً شاهقاً ، إذ قامت على هذه الأرض حضارات أدوم ومؤاب وعمون ، وتوالت عليها الحضارات اليونانية والهلنستية والرومانية والبيزنطية ، وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية بكافة مراحلها وتجلياتها ، وهي حضاراتٌ شكّلت ملامح الفكر والمعمار والإنسانية في المنطقة . إنَّ مَن يتحدث عن " حمامات خارج البيت " بسخرية ، يغفلُ - أو يتغافلُ - عن حقيقة أنَّ تلك البيوت كانت تُبنى لتكون أبوابها مشرعةً لعابر السبيل ، حيثُ كانت " المضافة " والحمام الخارجي رمزاً لمروءةٍ أردنيةٍ لا يدرك كنهها من عاش في أبراج العاج . إنّ هذا التاريخ الحضاري ليس مجرد أرقام ، بل هو إرث إنساني جعل من الأردن مهداً للاستقرار البشري ، فكان الأردني عبر العصور صانعاً للحياة والخبز والمروءة .
تقزيم الذات في حضرةِ المجد :
إنَّ التكرار الممنهج لهذه السقطات ، من ادعاءات حول " حدودٍ رسمها سكران " إلى الاستهزاء بنمط العيش القديم ، لا يُصغِّرُ الأردن كما يظن العناني ، بل يُصغِّرُ شخصيته هو ويحجم مكانته في الوجدان الجمعي . لقد احتضن الأردن الدكتور جواد ، ورفعه إلى منصب نائبج رئيس الوزراء ، ومنحه من رغيده ما لم يمنحه لغيره ،~ فكان جزاؤه أن يُقابَل هذا الفضل بأسلوبٍ لا يليق بمقام~ المسؤولية . إنَّ الدولة التي تبني الإنسان~ وتؤمن بالديمومة ، لا يضيرها تنكّرُ من استمتع بخيرها ،~ فتاريخ الأردن الحضاري والإنساني~ أرسخ من أن تنال منه كلمات عابرة لا تدرك قيمة~ الأرض التي أطعمتها .
إنَّ الأردن هو الذي أشهره وأعلى من~ شأنه ، لكنج للاسف هذا الأمر لم يثمر فيه ، وصدق كبارنا عندما كانوا يسمعون من يسيء للأردن بأنه " مأكول مذموم " . وللعلم ، فإن الأردن لديه القدرة والإمكانية لإنزال وإسكات من يتكبر ويسيء له ، وتجريده من مكانته ، وسيبقى أمثال هؤلاء يعيشون بين الحفر .~
لقد صدق التوصيف حين قيل : " كلما وضعناك~ على الرف ، وجدناك في الأسفل " . إنَّ الفرق بينك~ وبين هذا الوطن يا دكتور هو الفرق بين "~ الذاكرةِ التي تحفظُ فضلَ الجغرافيا " وبين " الذاكرةِ التي تخونُ~~ صاحبَها في لحظات الانفعال " . سيبقى الأردنُ ،~ بأمجاده التي~ سبقت التاريخ وبقيم مروءته التي تتجاوز حداثة~ مرافقكم ، صرحاً شاهقاً لا تطاله محاولات التقزيم التي تمارسها ،~ فالتاريخ لا يرحم من نسيَ مَن أطعمه ، والوطنُ أكبر~ من أن يُقاس بمعايير بيوتكم المتعالية .~