في السياسة لا مكان للعواطف، ولا تُدار الحروب بالشعارات، بل بالمصالح. ومن يقرأ المشهد الإقليمي بعينٍ باردة سيدرك أن ما يجري اليوم ليس معركةً من أجل العرب، ولا حربًا لتحرير أوطانهم، وإنما صراعٌ مفتوح بين مشروعين يتنافسان على النفوذ والهيمنة: المشروع الصهيو-أمريكي من جهة، والمشروع الإيراني من جهة أخرى. وبينهما يقف العرب… لا شركاء في القرار، بل ساحاتٍ للصراع، وأول من يدفع الثمن.
إسرائيل لا تخفي مشروعها، والولايات المتحدة لا تنكر مصالحها، وإيران كذلك لا تتردد في الإعلان عن طموحاتها الإقليمية. لكل طرف أجندته، ولكل طرف حساباته، ولكل طرف أدواته. أما العرب، فما زالوا يبحثون عن موقف موحد، وعن مشروع غائب، وعن إرادة سياسية لم تولد بعد.
وهنا تكمن المأساة.
فنحن لا نعاني فقط من ضغوط الخارج، بل من فراغ الداخل. فمنذ سنوات طويلة، والعالم العربي يتحرك بردود الأفعال لا بصناعة الأفعال، يستهلك الأحداث أكثر مما يصنعها، وينتظر نتائج المعارك أكثر مما يرسم ملامح مستقبله.
وسط هذه الفوضى، ينقسم الشارع العربي بين مؤيد لهذا المحور أو ذاك. ترتفع الأصوات، وتشتد المناكفات، ويُوزَّع الاتهام والتخوين، بينما الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: الجميع يعمل لمصلحته، ونحن ننشغل بالدفاع عن مشاريع ليست مشاريعنا.
ولا شك أن رغبة العربي في رؤية إسرائيل تُهزم أو تُستنزف هي رغبة مفهومة ومشروعة، فإسرائيل ستبقى العدو الأول للأمة العربية بسبب احتلالها للأرض الفلسطينية وعدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني. لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد أن كل من يواجه إسرائيل يفعل ذلك من أجل العرب أو من أجل فلسطين. فالسياسة لا تُبنى على الأمنيات، بل على قراءة دقيقة للمصالح، وإلا تحولنا إلى أدوات في معارك الآخرين.
والنتيجة التي نعيشها اليوم واضحة أمام الجميع: اقتصادات عربية تنزف، واستثمارات تتراجع، وتنمية تتعطل، وشعوب تدفع ثمن الحروب بالتضخم والبطالة وعدم الاستقرار، بينما تتبادل القوى المتصارعة الرسائل فوق الأرض العربية وعلى حساب مستقبلها.
إن أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس قوة خصومها، بل غياب مشروعها. فلا يمكن لأمة تمتلك هذا التاريخ، وهذه الثروات، وهذا الموقع الجغرافي، وهذا الحجم السكاني، أن تبقى رهينةً لمشاريع الآخرين. ولا يجوز أن يظل القرار العربي موزعًا بين عواصم العالم، فيما تغيب العاصمة العربية الجامعة التي تضع المصلحة العربية فوق كل اعتبار.
إننا نقف اليوم على مفترق طرق تاريخي. فإما أن نستمر في الدوران داخل الحلقة ذاتها، ننتظر من ينتصر لنصفق له، ومن يُهزم لنشمت به، بينما تستمر خسائرنا في التراكم، وإما أن نمتلك الشجاعة لنعلن أن للعرب مشروعهم المستقل، وهويتهم السياسية، ورؤيتهم للمستقبل.
مشروع عربي نهضوي، يؤمن بالدولة الوطنية، وبالعلم، وبالاقتصاد المنتج، وبالإنسان العربي، ويعيد الاعتبار للتكامل العربي، ويجعل من الأمن القومي العربي أولوية لا شعارًا. مشروع يرفض الوصاية الأمريكية، ويرفض الأطماع الإسرائيلية، ويرفض كذلك التمدد الإيراني وأي تدخل في الشؤون العربية، لأن الكرامة الوطنية لا تتجزأ، والسيادة لا تُقاس بازدواجية المعايير.
إن الأمة التي لا تملك مشروعًا، ستعيش داخل مشاريع الآخرين. والأمة التي لا تصنع قرارها، سيُصنع القرار عنها.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: مع أي محور نقف؟ بل: متى يصبح للعرب محورهم، ومشروعهم، وقرارهم، ومستقبلهم؟
فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والأمم لا تنهض بالاصطفاف خلف الآخرين، بل تنهض عندما تؤمن بنفسها، وتوحد كلمتها، وتكتب مشروعها بيدها… لا بأقلام الآخرين.