ثمة جيلٌ وُلد على تراب الأردن الزكي في لحظةٍ كانت فيها الدولة الفتية تتلمّس ملامحها في الصخر، فنشأت أحلامه مع أحلام الوطن، وكبرت طموحاته مع كل معركة خاضها الجيش العربي، ومع كل مؤسسة بُنيت من عرق الرجال وتضحياتهم.
كانوا شبابًا حين كان الأردن شابًا، يدركون بعلمهم وفطرتهم أن ما يبنونه يومها هو الأرض التي سيقف عليها أبناؤهم وأحفادهم بأمان.
وفي ذكرى رحيل والدي، الفريق الركن عكاش حتمل الزبن رحمه الله، لا أستعيد غائبًا، بل أستنطق تاريخًا حيًا، وأدوّن سيرة رجلٍ كانت البزّة العسكرية في عرفه ميثاق شرف، وكان الوطن قدرًا لا يُساوَم عليه.
وُلد أبي في قرية جلول جنوب عمّان عام 1927، ومن صخورها استمدّ الحزم، ومن سهولها رحابة الصدر، ومن تاريخ أهلها الفروسية والعزم.
بدأ مسيرته في القوات المسلحة الأردنية مأخوذًا بطموح القادة، فاتجه إلى كلية كامبرلي للعلوم العسكرية في بريطانيا، تلك الكلية العريقة التي تُعدّ مصنعًا لأرفع العقول العسكرية الاستراتيجية في العالم. عاد منها محمّلًا بخبرةٍ فذّة، بعد أن خدم مرافقًا للملك المؤسس عبد الله الأول – طيب الله ثراه – فشهد في كنفه كيف تُبنى أسس الدولة، وتُرفع أركان المؤسسات، وكيف يلتقي ذكاء السياسة بحكمة الميدان.
كان عكاش الزبن شابًا فتياً عام 1948، يشغل موقع رئيس أركان حرب الكتيبة الثانية ضمن الكتائب المقاتلة في معركة اللطرون على أرض فلسطين، تلك المعركة التي لا يزال المؤرخون يذكرونها بإجلال، والتي أثبتت أن الجندي الأردني مشروع شهادة يمشي على الأرض.
وهناك، وسط دوي المدافع وأزيز الرصاص، تشكّلت عقيدته العسكرية التي نقلها لاحقًا بعلمه وخبرته لتأسيس وتطوير سلاح المدرعات الملكي، ليكون حصن الأردن المنيع.
وما يملؤني بالأنفة وأنا أستذكر سيرة والدي اليوم، ليس الرتب والأوسمة والنياشين التي تقلدها فحسب، بل موقفه الاستثنائي في حرب 1967؛ حين انحاز لعقيدته العسكرية الصارمة، مؤثرًا التنحي على المداهنة.
فقد رأى في الخطة العربية المشتركة ثغرات، وقرأ الضعف في رؤية لم تُحسن قراءة الجبل والوادي، ولا الرمل والحجر في أرض فلسطين.
لم يحتمل تجاهل الخبرات الأردنية التي أثبتت كفاءتها في حرب 1948، حين جرى التعويل على شعاراتٍ لم تصمد أمام اختبار الميدان، فكان قراره موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون عسكريًا؛ إذ خشي أن يخالف ضميره أكثر مما خشي الإقصاء.
تنحّى بعد مسيرة مشرّفة، شارك فيها في حرب 1948، وأسهم في تأسيس وتطوير سلاح المدرعات الملكي، وتولّى مهام جسامًا، منها محاكمة المتآمرين على العرش الهاشمي عام 1957، وخدمته نائبًا للقائد العام للجيش العربي.
وفي عام 1970، عاد ليحمل أمانة وزارة الدفاع في مرحلةٍ من أدق مراحل الدولة، فكان رمزًا للولاء للعرش الهاشمي، ضمن نخبة من الرجال الذين يُستدعون حين تثقل الأمانة وتضيق المسالك.
ثم انتقل إلى العمل الدبلوماسي سفيرًا للبلاط الهاشمي في كل من دولة الكويت وجمهورية باكستان، حاملاً الأردن في وجدانه أينما حلّ وارتحل.
واليوم، وأنا أقف على أعتاب الذكرى السنوية لرحيله، لا أجد ما يفي مقامه إلا الثبات على المبادئ التي غرسها فينا، مجددًا العهد الذي قضى عمره مخلصًا له، وفيًا للأردن العظيم، غيورًا على ترابه الطهور، محبًا لشعبه الأصيل.
فهذا الإرث ليس مجرد صورٍ تزينها الأوسمة، بل هو بوصلة وفاء لعرشنا الهاشمي المفدى، والتفافٌ حول رايته رمزًا لصمودنا وعزتنا.
رحمك الله بواسع رحمته، وجمعك مع الشهداء والصالحين، وحفظ الله الأردن واحة أمنٍ وازدهار، في ظل مليكنا المفدى وولي عهده المحبوب.
وسلامٌ عليك يا أبي، في علياء المجد ورياض الخالدين.