تتكشف تباعا صورة غير مسبوقة عن كواليس القصر الرئاسي في دمشق خلال السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد، صورة تعكس حالة من الانعزال التام عن واقع البلاد، والانغماس في عوالم شخصية بعيدة عن السياسة وإدارة الأزمات، فبينما كانت سوريا تغرق في أزمات اقتصادية خانقة وانهيار مؤسساتي غير مسبوق، بدا أن مركز القرار يعيش في فقاعة مغلقة، تحكمها العلاقات الشخصية والهواجس الفردية أكثر من الحسابات الوطنية.
الانفصال عن الواقع والانغماس في العالم الافتراضي
تشير معطيات متعددة إلى أن الأسد كان يقضي ساعات طويلة يوميا منشغلا بالألعاب الإلكترونية على هاتفه المحمول، وعلى رأسها لعبة كاندي كراش، في وقت كانت فيه البلاد تواجه تراجعا حادا في مستوى المعيشة، وانهيارا في قيمة العملة، واتساعا غير مسبوق في رقعة الفقر، هذا الانشغال اليومي لم يكن مجرد تسلية عابرة، بل تحول إلى نمط حياة يعكس ابتعادا متزايدا عن متابعة الملفات الحساسة وإدارة شؤون الدولة.
إعادة تشكيل دائرة الحكم
بدلا من الاعتماد على شخصيات سياسية وأمنية مخضرمة، فضل الأسد إحاطة نفسه بدائرة ضيقة من الوجوه الشابة، التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الخبرة السياسية والقدرة على إدارة الأزمات، هذه الدائرة لم تكن مبنية على الكفاءة بقدر ما كانت قائمة على الولاء الشخصي، ما أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتحويل القرار السياسي إلى مسألة فردية تخضع للأمزجة والتقديرات الشخصية.
لونا الشبل ودورها داخل القصر
برز اسم المستشارة الإعلامية لونا الشبل كأحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل داخل القصر الرئاسي، فبحسب روايات متقاطعة، لم يقتصر دورها على العمل الإعلامي، بل امتد إلى إدارة ملفات شخصية وحساسة، شملت علاقات غير رسمية داخل القصر، وقد أثارت علاقتها المقربة من الأسد شكوك أطراف إقليمية، ما جعلها محط صراعات داخلية انتهت بمقتلها في ظروف غامضة، شكلت علامة فارقة في تصدع الدائرة المحيطة بالرئيس.
الترف داخل القصر مقابل بؤس الخارج
في الوقت الذي كان فيه الجنود والموظفون الحكوميون يعانون من تدني الرواتب وارتفاع الأسعار، استمرت عائلة الأسد في التمتع بحياة مترفة داخل القصر، وتشير الوقائع إلى أن تجارة الكبتاغون تحولت إلى رافد مالي أساسي للنظام، ما سمح باستمرار نمط الحياة الباذخ، رغم الانهيار الاقتصادي الشامل الذي أصاب البلاد.
العناد السياسي ورفض المبادرات
خلال السنوات الأخيرة، طُرحت على الأسد عدة مبادرات إقليمية ودولية تهدف إلى إخراجه من عزلته السياسية وتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، مقابل خطوات إصلاحية تدريجية وفك الارتباط الجزئي مع إيران، غير أن هذه المبادرات قوبلت بالرفض أو التجاهل، في ظل تمسك الرئيس بتحالفاته التقليدية ورفضه أي تنازل قد يفسر كضعف سياسي.
تجاهل الضغوط الدولية
لم تقتصر سياسة الرفض على المبادرات العربية فقط، بل شملت أيضا محاولات أمريكية للتواصل بشأن ملفات إنسانية حساسة، من بينها ملف صحفيين مفقودين، وقد عكس هذا الموقف حالة من العناد الشخصي، حيث طغت الاعتبارات النفسية والانفعالية على أي حسابات سياسية أو دبلوماسية.
النهاية السياسية للعزلة
مع مرور الوقت، أدت هذه السياسات إلى تعميق عزلة النظام داخليا وخارجيا، وإضعاف قدرته على المناورة السياسية، فالرئيس الذي اعتقد أن حلفاءه لا يمكنهم الاستغناء عنه، وجد نفسه محاصرا بتراجع النفوذ والدعم، في لحظة كان فيها العالم الافتراضي أكثر حضورا في حياته من واقع دولة تتفكك.