ليست علاقتنا بكم حكاية حدود تفصل بين بلدين، ولا مجرد جغرافيا تجمع شعبين، بل هي حكاية إنسانية كُتبت بالمواقف، وسُطّرت بالمحبة، وحفظتها الأيام في ذاكرة الأردنيين والسوريين. إنها حكاية الجار الذي لم يترك جاره وحيدًا في محنته، والأخ الذي فتح قلبه وبيته قبل أن يفتح أبوابه.
على مدى خمسة عشر عامًا، كان الأردن، قيادةً وشعبًا وجيشًا وأجهزةً ومؤسسات، حاضرًا إلى جانب الشعب السوري الشقيق في واحدة من أصعب مراحل تاريخه. استقبلنا أهلنا السوريين، وتقاسمنا معهم الماء والهواء والغذاء والدواء، وتقاسمنا الأرض والسماء، ووقفنا إلى جانبهم في سنواتٍ قاسية أثقلت كاهلهم، وأجبرتهم ظروف الحرب والخوف على مغادرة بيوتهم وذكرياتهم وأرض آبائهم وأجدادهم.
لم نفعل ذلك منّةً ولا فضلًا نمنّ به على أحد، ولم نفتح بيوتنا انتظارًا لشكرٍ أو مقابل؛ بل فعلنا ما تربّينا عليه، وما تعلّمناه من قيادتنا الهاشمية، ومن قيمنا العربية والإسلامية، ومن أخلاق الأردني الأصيل الذي يرى في إكرام الضيف واجبًا، وفي نجدة الملهوف شرفًا، وفي حماية المظلوم مروءةً لا تقبل المساومة.
فنحن لا نكرم ضيفنا ثلاثة أيام وثلثًا ثم نغلق الباب في وجهه؛ بل نكرمه ما دام بيننا، ونصون كرامته، ونحفظ حقه، ونعامله كواحدٍ من أهل الدار، له ما لنا وعليه ما علينا.
هذه هي أخلاق الأردنيين، وهذه هي تربيتنا، وهذا هو معدن شعبٍ لا تغيّره الظروف، ولا تنقص من أصالته قسوة الأيام.
ولأن الأردن يعرف معنى الأمن، ويدرك قيمة الاستقرار، فقد كان جيشنا العربي الباسل، ومعه أجهزتنا الأمنية، سدًّا منيعًا على امتداد حدودنا الشمالية. وقف نشامى القوات المسلحة الأردنية في وجه محاولات التسلل، وعصابات تهريب المخدرات، والجماعات الإرهابية والتكفيرية التي حاولت العبث بأمن البلاد وتهديد استقرارها.
لم تكن حماية الحدود دفاعًا عن تراب الأردن وحده، بل كانت أيضًا حمايةً لحق الإنسان في الحياة الآمنة، وحفاظًا على استقرار المنطقة، ومنعًا لوصول شرور الإرهاب والمخدرات إلى بيوت الأردنيين والسوريين على حدّ سواء. فالأمن ليس سلعةً تُباع، ولا ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل هو أساس الحياة الكريمة، وحقٌّ لكل إنسان يريد أن ينام مطمئنًا في بيته، وأن يرى أبناءه يكبرون بعيدًا عن الخوف والتهديد.
وهنا نقولها بكل فخر واعتزاز: إن كرامة الأردن من كرامة أهله، وأمنه خط أحمر، وحدوده أمانة في أعناق نشامى الجيش العربي، الذين أقسموا أن يبقى الوطن عزيزًا آمنًا، وأن تبقى رايته خفّاقةً لا تنحني أمام المعتدين.
أهلنا في سوريا...
نحن اليوم لا نتمنى لكم إلا الخير. ندعو الله أن يحفظ بلادكم، وأن يعيد إليها أمنها واستقرارها، وأن يكتب لشعبها حياةً كريمةً تليق بتضحياته وصبره، وأن تستعيد سوريا عافيتها وقوتها ومكانتها، وأن تكون دولةً قادرةً على حماية أرضها، وصون شعبها، واجتثاث الإرهاب والتخريب وكل من يريد العبث بأمنها ومستقبل أبنائها.
نتمنى أن تعود سوريا أرضًا للخير والبركة، وأن تعود مدنها وقراها عامرةً بأهلها، وأن يزرع أبناؤها أرضهم بدلًا من أن يزرعوا في قلوبهم الخوف، وأن يبني شبابها مستقبلهم بدلًا من أن تسرق الفوضى أحلامهم.
ونقول لأهلنا السوريين بكل محبة وصدق: لا تسمحوا لحادثة عابرة، أو تصرف فردي، أو إشاعة مغرضة، أن تعكّر صفو العلاقة بين الشعبين الشقيقين. فالعلاقات الراسخة لا تهزّها العوارض، والروابط التي بُنيت على سنواتٍ من المواقف والعيش المشترك أكبر من أن تكسرها محاولات الفتنة أو خطاب الكراهية.
لا تنسوا أن بيننا خبزًا وملحًا، وبيوتًا تقاسمت الأفراح والأحزان، وأطفالًا كبروا في مدارس واحدة، وجيرانًا عاشوا سنواتٍ يتبادلون المحبة والاحترام. هذه التفاصيل ليست هامشًا في تاريخنا، بل هي جوهر الحكاية، وهي الدليل على أن الشعوب أقوى من كل محاولات التفريق.
واعلموا، يا أهلنا، أن هناك من يتربص بالأردن وسوريا، ومن لا يريد لبلادنا الاستقرار، ولا لشعوبنا أن تعيش بسلام. هناك من يستثمر في الفوضى، ويتغذّى على الانقسام، ويسعى إلى إشعال نار الفتنة بين الأشقاء، لأن وحدة الشعوب ووعيها هما أكبر عائق أمام مشاريعه ومصالحه.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعًا أن نكون أكثر وعيًا، وأشد تمسكًا بأواصر الأخوة، وأبعد عن كل خطاب يزرع الكراهية أو يسيء إلى شعبٍ بأكمله بسبب فعل شخص أو مجموعة. فليس من العدل أن يُحاسب شعبٌ كامل على خطأ فرد، ولا من الحكمة أن نمنح دعاة الفتنة فرصةً لهدم ما بنيناه من ثقة ومحبة.
قوة سوريا قوة للأردن، وقوة الأردن سندٌ لسوريا؛ وأمن البلدين واستقرارهما مصلحة مشتركة لا يختلف عليها عاقل. فحين تكون سوريا آمنةً ومستقرةً وقادرةً على حماية حدودها وشعبها، ينعكس ذلك خيرًا على الأردن والمنطقة، وحين يبقى الأردن قويًا ومتماسكًا وآمنًا، فإنه يظل سندًا لجيرانه، وحصنًا منيعًا في وجه كل من يريد العبث بأمن المنطقة.
أما الأردن، الذي عُرف عبر تاريخه بإكرام الضيف ونصرة الملهوف، فسيبقى كما عهدتموه: بلدًا يفتح قلبه لكل من جاءه طالبًا الأمن والأمان، ويحفظ للإنسان كرامته، ويعامل ضيوفه بأصالته وقيمه، دون أن ينتظر منهم إلا احترام البلد الذي احتضنهم، والالتزام بقوانينه، وصون أمنه واستقراره.
لكن كرم الأردني لا يعني التهاون في أمن وطنه، وتسامحه لا يعني السماح بالاعتداء عليه، وفتح أبوابه للضيف لا يعني فتحها للمجرم أو الإرهابي أو تاجر المخدرات. فمن أراد أن يعيش بيننا بسلام واحترام، وجد أهلًا وإخوةً وقلوبًا مفتوحة؛ أما من يختار طريق العدوان، ويهدد أمن الناس، ويستهدف تراب الوطن، فسيجد أمامه دولةً تحمي سيادتها، وجيشًا عربيًا باسلًا، وأجهزةً أمنيةً يقظة، وشعبًا لا يقبل المساس بأمنه وكرامته.
نحن أهل كرمٍ، لكننا لسنا أهل ضعف. أهل تسامح، لكننا لا نفرّط بالحق. نمدّ يد المحبة لمن يبادلنا المحبة، ونحفظ العهد لمن يحفظ العهد، ونقف بحزم في وجه كل من يظن أن طيبة الأردنيين يمكن أن تكون بابًا للاعتداء على وطنهم.
أهلنا في سوريا... حفظكم الله، وحفظ بلادكم، وأعاد إليها الخير والبركة والأمن والأمان.
نسأل الله أن يجمع شملكم، ويطمئن قلوبكم، ويحمي أبناءكم، ويكتب لسوريا مستقبلًا يليق بتاريخها وشعبها، وأن يديم على الأردن نعمة الأمن والاستقرار، ويحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وكل من يسهر على حماية هذا الوطن.
ستبقى بين الأردن وسوريا جسورٌ من المحبة لا تهدمها العواصف، وروابطُ أخوة لا تقطعها الفتن، وتاريخٌ من المواقف سيظل شاهدًا على أن الجار أخٌ، وأن الكرامة لا تتجزأ، وأن أمن الأشقاء من أمننا.
الأردن وسوريا... شعبان شقيقان، وجاران يجمعهما التاريخ والجغرافيا والدم والخبز والملح.
حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا، وحفظ سوريا وأهلها، وأبعد عن البلدين شرّ الفتن والإرهاب، وجعل مستقبلنا مستقبلَ خيرٍ واستقرارٍ ومحبة.
عاشت الأخوّة الأردنية السورية، وعاش الأردن حرًّا عزيزًا آمنًا، وعاشت سوريا آمنةً قويةً مستقرة.
فالضيف له حقّ الضيافة، والجار له حقّ الجوار، والوطن له حقّ الدفاع... وهذه مبادئ لا تتبدّل بتبدّل الظروف.