أجرت وكالة نيروز الإخبارية مقابلة صحفية مع الأستاذة إيناس أحمد العرموطي، المتخصصة في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، للحديث عن تجربتها في المجال التعليمي، وأبرز التحديات التي تواجه تعليم العربية للمتعلمين من خلفيات لغوية وثقافية مختلفة، إلى جانب رؤيتها لتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تطوير العملية التعليمية، ودور المنصات الرقمية في تقديم تجربة تعلم أكثر تفاعلية وفاعلية.
وخلال المقابلة، أكدت العرموطي أن تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها لا يقتصر على تدريس المفردات والقواعد، بل يتجاوز ذلك إلى تعريف المتعلم بثقافة اللغة وحضارتها، وفتح آفاق جديدة أمامه للتواصل والتعبير. وأشارت إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه هذا المجال اختلاف الأصوات والحروف والتراكيب اللغوية عن اللغات الأم للمتعلمين، فضلًا عن الفجوة التي قد تظهر بين المعرفة النظرية والقدرة على استخدام اللغة في المواقف اليومية.
وشددت على أن نجاح العملية التعليمية يرتبط بالطريقة التي تُقدَّم بها اللغة، ومدى ارتباطها بحياة المتعلم واحتياجاته، مؤكدة أن توفير بيئة تعليمية آمنة تشجع على المحاولة وتقبل الخطأ يسهم في تعزيز الثقة بالنفس، ويمنح الطالب قدرة أكبر على ممارسة العربية والتواصل بها.
وفي حديثها عن التحول الرقمي في التعليم، أوضحت العرموطي أن التكنولوجيا لا تعني مجرد نقل المحتوى التقليدي إلى الشاشات، بل تتطلب إعادة تصميم تجربة التعلم بما يجعل الطالب مشاركًا فاعلًا في اكتساب المعرفة. ولفتت إلى أهمية توظيف الألعاب اللغوية والقصص التفاعلية والتسجيلات الصوتية والفيديوهات القصيرة والأنشطة التطبيقية، بما يساعد المتعلمين على تطوير مهارات الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة بصورة متكاملة.
كما استعرضت رؤيتها لفكرة المنصة التعليمية التي تسعى إلى تطويرها، موضحة أن الفكرة انطلقت من احتكاكها المباشر بالطلبة وملاحظتها الحاجة إلى تجربة تعليمية أكثر تنظيمًا وتفاعلية، تربط بين تعلم اللغة واستخدامها في مواقف واقعية، وتراعي اختلاف مستويات المتعلمين واحتياجاتهم. وأكدت أن المنصة الناجحة ليست التي تضم أكبر عدد من الدروس، بل التي تقود المتعلم تدريجيًا من مستوى إلى آخر، وتمنحه فرصًا حقيقية للتدرب والتطور والشعور بالإنجاز.
وتطرقت العرموطي إلى الفجوة بين معرفة اللغة والقدرة على استخدامها، مشيرة إلى أن امتلاك رصيد من المفردات والقواعد لا يعني بالضرورة قدرة الطالب على إجراء حوار أو التعبير عن رأيه أو الكتابة بما يتناسب مع المواقف المختلفة. ومن هنا، ترى أن تطوير تعليم العربية يتطلب الجمع بين التعلم النشط والمواقف التواصلية والتدرج في المستويات، مع مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أكدت أن هذه التقنيات تتيح فرصًا واسعة لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها، من خلال ممارسة المحادثة، وإعداد أنشطة تتناسب مع مستويات الطلبة، وتقديم ملاحظات تساعدهم على اكتشاف أخطائهم، إلى جانب مساعدة المعلمين في إعداد أوراق العمل وتنويع الأسئلة وتصميم الأنشطة العلاجية والإثرائية. لكنها شددت على ضرورة أن يبقى المعلم صاحب القرار التربوي، والمسؤول عن مراجعة المحتوى وضمان دقته وملاءمته للسياق التعليمي.
وحذرت العرموطي من الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي في التعليم، مؤكدة أهمية التحقق من الدقة العلمية واللغوية، وحماية بيانات الطلبة وخصوصيتهم، والحفاظ على النزاهة الأكاديمية، بحيث تُستخدم هذه الأدوات لدعم التفكير والتعلم لا لإنجاز المهام نيابة عن الطالب. وأوضحت أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا تظهر عندما تساعد المتعلم على الفهم بصورة أعمق، وتمنحه استقلالية أكبر في اكتساب المعرفة، دون أن تنتقص من الدور الإنساني للمعلم.
وعلى صعيد القيادة والعمل التربوي، أشارت إلى أن القائد الناجح هو من يستطيع توحيد الجهود حول هدف مشترك، ويستمع إلى الآراء المختلفة، ويتخذ القرارات على أساس واضح، مع الحفاظ على التوازن بين الحزم والمرونة. وأضافت أن القيادة الفاعلة تقوم على الذكاء العاطفي، واحترام التنوع داخل الفريق، وتحويل اختلاف الخبرات ووجهات النظر إلى فرص للتطوير والإنجاز.
كما تحدثت عن التحديات التي تواجه تحويل الأفكار التعليمية إلى مشاريع واقعية، مبينة أن الأمر يتطلب أكثر من مجرد الحماس؛ إذ يحتاج إلى تخطيط، وفهم لاحتياجات المستفيدين، وتطوير مستمر للمحتوى، وقدرة على تقييم النتائج وإعادة النظر في الأساليب عند الضرورة. وأكدت أن مراجعة الفكرة وتطويرها لا يعنيان الفشل، بل قد يشكلان خطوة أساسية نحو بناء مشروع أكثر نضجًا واستدامة.
وفي ختام حديثها، وجهت العرموطي رسالة إلى الشباب، دعتهم فيها إلى عدم السماح للخوف من الفشل بأن يحول دون تحقيق طموحاتهم، مع ضرورة الجمع بين الحماس والتخطيط والعمل المتواصل. وأكدت أن الأفكار المؤثرة لا تحتاج بالضرورة إلى إمكانات ضخمة في بدايتها، فقد تنطلق من ملاحظة مشكلة بسيطة والسعي إلى إيجاد حل حقيقي لها، مشددة على أن النجاح لا يُقاس بغياب التعثر، بل بالقدرة على التعلم والتكيف والاستمرار، وبما يتركه الإنسان من أثر إيجابي في حياة الآخرين.