تفتح هاتفك صباحًا، تتحقق من الطقس، ثم تنتقل إلى مواقع التواصل وتبحث عن مطعم أو منتج أعجبك. بعد دقائق، تبدأ الإعلانات بالظهور أمامك وكأن الإنترنت قرأ أفكارك.
قد يبدو الأمر مصادفة، لكن خلف هذه التجربة اليومية توجد كميات هائلة من البيانات التي تنتقل بين التطبيقات والمواقع والأجهزة، لتكشف تدريجيًا تفاصيل عن عاداتك واهتماماتك وتحركاتك. ففي كل مرة تستخدم فيها هاتفك أو تتصفح موقعًا أو تضغط على إعلان، قد تترك وراءك أثرًا رقميًا. والمشكلة ليست دائمًا في وجود هذه البيانات، بل في حجم المعلومات التي يمكن جمعها وربطها ببعضها لفهم سلوك المستخدم بصورة أكثر دقة.
كل نقرة تترك أثرًا
لا تقتصر البيانات التي تجمعها الخدمات الرقمية على الاسم أو البريد الإلكتروني. فقد تشمل معلومات عن الجهاز المستخدم، ونظام التشغيل، وعنوان بروتوكول الإنترنت، والمواقع التي تزورها، ومدة بقائك فيها، والروابط التي تضغط عليها، إضافة إلى معلومات مرتبطة بالموقع الجغرافي عندما تمنح التطبيق الإذن بذلك.
ومع تكرار هذه العمليات، يمكن أن تتشكل صورة واسعة عن المستخدم. فعملية بحث واحدة قد لا تعني الكثير، لكن مئات عمليات البحث والمشتريات والتفاعلات يمكن أن تكشف نمطًا واضحًا من الاهتمامات والعادات. وهنا تتحول البيانات المتفرقة إلى معلومات ذات قيمة اقتصادية.
مهمة للشركات
السبب الرئيس يرتبط بالإعلانات والتخصيص. فبدل عرض الإعلان نفسه لجميع المستخدمين، تستطيع المنصات والخدمات الرقمية استخدام البيانات لتقديم محتوى وإعلانات أكثر ارتباطًا باهتمامات كل شخص. وإذا بحث المستخدم عن هاتف جديد، أو شاهد عدة مراجعات لمنتج معين، فقد تبدأ برمجيات الإعلانات في التعامل معه باعتباره شخصًا لديه اهتمام محتمل بهذا المنتج. وهذا لا يعني بالضرورة أن موظفًا يجلس ويراقب المستخدم بشكل مباشر، بل إن معظم هذه العمليات تتم بواسطة أنظمة آلية وخوارزميات تحلل كميات ضخمة من البيانات.
يعرف أين كنت
من أكثر أنواع البيانات حساسية معلومات الموقع الجغرافي. فالهواتف الحديثة تستطيع تحديد موقعها باستخدام تقنيات متعددة، بينها نظام تحديد المواقع العالمي وشبكات الاتصالات وشبكات واي فاي والبلوتوث. وعندما يحصل تطبيق على صلاحية الموقع، يمكن استخدام هذه البيانات وفقًا للأذونات والسياسات المعلنة للخدمة.
وتزداد أهمية هذه المعلومات عندما يتم جمعها على مدى فترة طويلة. فالموقع لا يكشف فقط عن مكان وجود المستخدم في لحظة معينة، بل يمكن أن يساعد في رسم نمط لتحركاته، مثل الأماكن التي يزورها باستمرار أو الأوقات التي يتحرك فيها.
غالبًا ما يمر المستخدم بسرعة على شروط الاستخدام وسياسات الخصوصية، ويضغط زر الموافقة للوصول إلى الخدمة. لكن هذه الخطوة قد تعني قبول مجموعة من عمليات جمع البيانات تختلف من تطبيق إلى آخر.
لذلك أصبحت إعدادات الخصوصية أكثر أهمية، خصوصًا في التطبيقات التي تطلب صلاحيات لا تبدو ضرورية للوظيفة الأساسية التي تقدمها. ويستطيع المستخدم في كثير من الحالات مراجعة الأذونات ومنع الوصول إلى الموقع أو الكاميرا أو الميكروفون أو جهات الاتصال عندما لا يكون ذلك مطلوبًا.
استعادة السيطرة
لا توجد طريقة واحدة تمنع جمع جميع البيانات أثناء استخدام الإنترنت، لكن تقليل البصمة الرقمية ممكن. ويبدأ ذلك بمراجعة أذونات التطبيقات، وحذف التطبيقات غير المستخدمة، واستخدام كلمات مرور قوية ومختلفة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، إضافة إلى الانتباه إلى المواقع التي تطلب معلومات شخصية.
كما أن قراءة إعدادات الخصوصية الأساسية في الخدمات التي يستخدمها الشخص باستمرار يمكن أن تكشف قدرًا كبيرًا من المعلومات التي يمكن مشاركتها أو تخصيصها.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن الإنترنت يراقب الجميع بالطريقة التي تصورها الأفلام، بل في أن النشاط الرقمي اليومي أصبح مصدرًا مستمرًا للبيانات. وكل بحث أو نقرة أو موقع أو عملية شراء قد تضيف قطعة جديدة إلى صورة رقمية أكبر عن المستخدم.